الإيمان بتوحيد الإله يفضي إلى ترك آلهتهم ليسدوا على المخاطبين منافذ التردد أن يتطرق منها إلى خواطرهم .
واللام في ﴿ لشاعر ﴾ لام العلة والأجل ، أي لأجل شاعر ، أي لأجل دعوته .
وقولهم : ( شاعر مجنون ) قول موزع ، أي يقول بعضهم : هو شاعر ، وبعضهم : هو مجنون ، أو يقولون مرة : شاعر ، ومرة : مجنون ، كما في الآية الأخرى ﴿ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ﴾ ( الذاريات : 52 ) .
اعتراض في آخر الاعتراض قصدت منه المبادرة بتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عما قالوه .
و ﴿ بل ﴾ إضراب إبطال لقولهم : ﴿ لشاعر مجنون ﴾ ( الصافات : 36 ) وبإثبات صفته الحق لبيان حقيقة ما جاء به . وفي وصف ما جاء به أنه الحق ما يكفي لنفي أن يكون شاعرا ومجنونا ، فإن المشركين ما أرادوا بوصفه بشاعر أو مجنون إلا التنفير من اتباعه فمثلوه بالشاعر من قبيلة يهجو أعداء قبيلته ، أو بالمجنون يقول ما لا يقوله عقلاء قومه ، فكان قوله تعالى : ﴿ بل جاء بالحق ﴾ مثبتا لكون الرسول على غير ما وصفوه إثباتا بالبينة .
وأتبع ذلك بتذكيرهم بأنه ما جاء إلا بمثل ما جاءت به الرسل من قبله ، فكان الإنصاف أن يلحقوه بالفريق الذي شابههم دون فريق الشعراء أو المجانين .
وتصديق المرسلين يجمع ما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إجمالا وتفصيلا ، لأن ما جاء به لا يعدو أن يكون تقريرا لما جاءت به الشرائع السالفة فهو تصديق له ومصادقة عليه ، أو أن يكون نسخا لما جاءت به بعض الشرائع السالفة ، والإنباء بنسخه وانتهاء العمل به تصديق للرسل الذين جاءوا به في حين مجيئهم به ، فكل هذا مما شمله معنى التصديق ، وأول ذلك هو إثبات الوحدانية بالربوبية لله تعالى . فالمعنى : أن ما دعاكم إليه من التوحيد قد دعت إليه الرسل من قبله ، وهذا احتجاج بالنقل عقب الاحتجاج بأدلة النظر .