تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكأنهم قالوا إنكم كنتم تغروننا بقوة منكم ، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا : تأتوننا من الجهة التي يحسنها تمويهكم وإغواؤكم وتظهرون فيها أنها جهة الرشد ( وهو عن الزجاج والجبائي ) ومما تحتمله الآية أن يريدوا : إنكم كنتم تأتوننا ، أي تقطعون بنا عن أخبار الخير واليمن ، فعبروا عنها باليمين ، ومن المعاني أن يريدوا : أنكم تجيئون من جهة الشهوات وعدم النظر لأن جهة يمين الإنسان فيها كبده وجهة شماله فيها قلبه وأن نظر الإنسان في قلبه وقيل : تحلفون لنا ا . ه .

وجواب الزعماء بقولهم : ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ إضراب إبطال لزعم الأتباع أنهم الذين صدوهم عن طريق الخير أي بل هم لم يكونوا ممن يقبل الإيمان لأن تسليط النفي على فعل الكون دون أن يقال : بل لم تؤمنوا ، مشعر بأن الإيمان لم يكن من شأنهم ، أي بل كنتم أنتم الآبين قبول الإيمان . و ﴿ ما كان لنا عليكم من سلطان ﴾ أي من قهر وغلبة حتى نكرهكم على رفض الإيمان ، ولذلك أكدوا هذا المعنى بقولهم : ﴿ بل كنتم قوما طاغين ﴾ ، أي كان الطغيان وهو التكبر عن قبول دعوة رجل منكم شأنكم وسجيتكم ، فلذلك أقحموا لفظ ﴿ قوما ﴾ بين ( كان ) وخبرها لأن استحضارهم بعنوان القومية في الطغيان يؤذن بأن الطغيان من مقومات قوميتهم كما قدمنا عند قوله تعالى : ﴿ لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة ﴾ .

وفرعوا على كلامهم اعترافهم بأنهم جميعا استحقوا العذاب فقولهم : ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ ، تفريع الاعتراض ، أي كان أمر ربنا بإذاقتنا عذاب جهنم حقا . وفعل ( حق ) بمعنى ثبت .

وجملة ﴿ إنا لذائقون ﴾ بيان ل ﴿ قول ربنا . ﴾ وحكي القول بالمعنى على طريقة الالتفات ولولا الالتفات لقال : إنكم لذائقون أو إنهم لذائقون . ونكتة الالتفات زيادة التنصيص على المعني بذوق العذاب .

وحذف مفعول ( ذائقون ) لدلالة المقام عليه وهو الأمر بقوله تعالى : ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ ( الصافات : 23 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٣ · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٣ · ص ١٠٥