تتضاءل من القوة المدركة حتى يصبح معنى أمهات المؤمنين معنى قريبا في النفوس من حقائق المجردات كالملائكة ، وهذه حكمة من حكم الحجاب الذي سنه الناس لملوكهم في القدم ليكون ذلك أدخل لطاعتهم في نفوس الرعية .
وبهذه الآية مع الآية التي تقدمتها من قوله : ﴿ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ﴾ ( الأحزاب : 32 ) تحقق معنى الحجاب لأمهات المؤمنين المركب من ملازمتهن بيوتهن وعدمم ظهور شيء من ذواتهن حتى الوجه والكفين ، وهو حجاب خاص بهن لا يجب على غيرهن ، وكان المسلمون يقتدون بأمهات المؤمنين ورعا وهم متفاوتون في ذلك على حسب العادات ، ولما أنشد النميري عند الحجاج قوله :
يخمرن أطراف البنان من التقى
ويخرجن جنح الليلل معتجرات
قال الحجاج : وهكذا المرأة الحرة المسلمة .
ودل قوله : ﴿ لقلوبكم وقلوبهن ﴾ أن الأمر متوجه لرجال الأمة ولنساء النبي صلى الله عليه وسلم على السواء . وقد ألحق بأزواج النبي عليه السلام بنته فاطمة فلذلك لما خرجوا بجنازتها جعلوا عليها قبة حتى دفنت ، وكذلك جعلت قبة على زينب بنت جحش في خلافة عمر بن الخطاب .
.
لما جيء في بيان النهي عن المكث في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يؤذيه أتبع بالنهي عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم نهيا عاما ، فالخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمؤمنين المفتتح بخطابهم آية : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ﴾ الآية .
والواو عاطفة جملة على جملة أو هي واو الاعتراض بين جملة ﴿ وإذا سألتموهن متاعا ﴾ وجملة ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن ﴾ ( الأحزاب : 55 ) .
ودلت جملة ﴿ ما كان لكم ﴾ على الحظر المؤكد لأن ﴿ ما كان لكم ﴾ نفي للاستحقاق الذي دلت عليه اللام ، وإقحام فعل ﴿ كان ﴾ لتأكيد انتفاء الإذن . وهذه الصيغة من صيغ شدة التحريم .