جاء في مقابلة قوله : ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ ( الأحزاب : 47 ) بقوله : ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين ﴾ تحذيرا له من موافقتهم فيما يسألون منه وتأييدا لفعله معهم حين استأذنه المنافقون في الرجوع عن الأحزاب فلم يأذن لهم ، فنهي عن الإصغاء إلى ما يرغبونه فيترك ما أحل له من التزوج ، أو فيعطي الكافرين من الأحزاب ثمر النخل صلحا أو نحو ذلك ، والنهي مستعمل في معنى الدوام على الانتهاء .
وعلم من مقابلة أمر التبشير للمؤمنين بالنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين أن الكافرين والمنافقين هم متعلق الإنذار من قوله : ﴿ ونذيرا ﴾ ( الأحزاب : 45 ) لأن وصف ( بشيرا ) قد أخذ متعلقه فقد صار هذا ناظرا إلى قوله : ﴿ ونذيرا ﴾ ( الأحزاب : 45 ) .
وقوله : ﴿ ودع أذاهم ﴾ يجوز أن يكون فعل ﴿ دع ﴾ مرادا به أن لا يعاقبهم فيكون ﴿ دع ﴾ مستعملا في حقيقته وتكون إضافة أذاهم من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي دع أذاك إياهم . ويجوز أن يكون ﴿ دع ﴾ مستعملا مجازا في عدم الاكتراث وعدمم الاغتمام ، فما يقولونه مما يؤذي ويكون إضافة أذاهم من إضافة المصدر إلى فاعله ، أي لا تكترث بما يصدر منهم من أذى إليك فإنك أجل من الاهتمام بذلك ، وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . وأكثر المفسرين اقتصروا على هذا الاحتمال الأخير . والوجه : الحمل على كلا المعنيين ، فيكون الأمر بترك أذاهم صادقا بالإعراض عما يؤذون به النبي صلى الله عليه وسلم من أقوالهم ، وصادقا بالكف عن الإضرار بهم ، أي أن يترفع النبي صلى الله عليه وسلم عن مؤاخذتهم على ما يصدر منهم في شأنه ، وهذا إعراض عن أذى خاص لا عموم له ، فهو بمنزلة المعرف بلام العهد ، فليست آيات القتال بناسخة له .
وهذا يقتضي أنه يترك أذاهم ويكلهم إلى عقاب آجل وذلك من معنى قوله : ﴿ شاهدا ﴾ ( الأحزاب : 45 ) لأنه يشهد عليهم بذلك كقوله : ﴿ فتول عنهم حتى حين وأبصرهم ﴾ ( الصافات : 174 175 ) .
والتوكل : الاعتماد وتفويض التدبير إلى الله . وقد تقدم عند قوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله في سورة آل عمران وقوله : وعلى الله فتوكلوا إن كنتم