ضر مكرهم بهم بأن يسلط عليهم رسوله على غفلة منهم كما كان يوم بدر ويوم الفتح ، فيكون على نحو قوله تعالى : ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ ( آل عمران : 54 ) فالقصر حقيقي .
فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية ومعجزات قرآنية ومعجزات نبوية خفية .
واعلم أن قوله تعالى : ﴿ ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله ﴾ قد جعل في علم المعاني مثالا للكلام الجاري على أسلوب المساواة دون إيجاز ولا إطناب . وأول من رأيته مثل بهذه الآية للمساواة هو الخطيب القزويني في ( الإيضاح ) وفي ( تلخيص المفتاح ) ، وهو مما زاده على ما في ( المفتاح ) ولم يمثل صاحب ( المفتاح ) للمساواة بشيء ولم أدر من أين أخذه القزويني فإن الشيخ عبد القاهر لم يذكر الإيجاز والإطناب في كتابه .
وإذ قد صرح صاحب ( المفتاح ) ( أن المساواة هي متعارف الأوساط وأنه لا يحمد في باب البلاغة ولا يذم ) فقد وجب القطع بأن المساواة لا تقع في الكلام البليغ بله المعجز . ومن العجيب إقرار العلامة التفتزاني كلام صاحب ( تلخيص المفتاح ) وكيف يكون هذا من المساواة وفيه جملة ذات قصر والقصر من الإيجاز لأنه قائم مقام جملتين : جملة إثبات للمقصود ، وجملة نفيه عما سواه ، فالمساواة أن يقال : يحيق المكر السيىء بالماكرين دون غيرهم ، فما عدل عن ذلك إلى صيغة القصر فقد سلك طريقة الإيجاز .
وفيه أيضا حذف مضاف إذ التقدير : ولا يحيق ضر المكر السيىء إلا بأهله على أن في قوله : ﴿ بأهله ﴾ إيجازا لأنه عوض عن أن يقال : بالذين تقلدوه . والوجه أن المساواة لم تقع في القرآن وإنما مواقعها في محادثات الناس التي لا يعبأ فيها بمراعاة آداب اللغة .
وقرأ حمزة وحده ﴿ ومكر السيىء ﴾ بسكون الهمزة في حالة الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف .