أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات أن ما قال واقع
ثم شبه الكفر بالظلمات في أنه يجعل الذي أحاط هو به غير متبين للأشياء ، فإن من خصائص الظلمة إخفاء الأشياء ، والكافر خفيت عنه الحقائق الاعتقادية ، وكلما بينها له القرآن لم ينتقل إلى أجلى ، كما لو وصفت الطريق للسائر في الظلام .
وجي في ﴿ الظلمات ﴾ بلفظ الجمع لأنه الغالب في الاستعمال فهم لا يذكرون الظلمة إلا بصيغة الجمع . وقد تقدم في قوله : { وجعل الظلمات والنور في الأنعام .
وضرب الظل مثلا لأثر الإيمان ، وضده وهو الحرور مثلا لأثر الكفر ؛ فالظل مكان نعيم في عرف السامعين الأولين ، وهم العرب أهل البلاد الحارة التي تتطلب الظل للنعيم غالبا إلا في بعض فصل الشتاء ، وقوبل بالحرور لأنه مؤلم ومعذب في عرفهم كما علمت ، وفي مقابلته بالحرور إيذان بأن المراد تشبيهه بالظل في حالة استطابته .
والحرور } حر الشمس ، ويطلق أيضا على الريح الحارة وهي السموم ، أو الحرور : الريح الحارة التي تهب بليل والسموم تهب بالنهار .
وقدم في هذه الفقرة ما هو من حال المؤمنين على عكس الفقرات الثلاث التي قبلها لأجل الرعاية على الفاصلة بكلمة ﴿ الحرور ﴾ . وفواصل القرآن من متممات فصاحته ، فلها حظ من الإعجاز .
فحال المؤمن يشبه حال الظل تطمئن فيه المشاعر ، وتصدر فيه الأعمال عن تبصر وتريث وإتقان . وحال الكافر يشبه الحرور تضطرب فيه النفوس ولا تتمكن معه العقول من التأمل والتبصر وتصدر فيها الآراء والمساعي معجلة متفككة .
وأعلم أن تركيب الآية عجيب فقد احتوت على واوات عطف وأدوات نفي ؛ فكل من الواوين اللذين في قوله : ﴿ ولا الظلمات ﴾ الخ ، وقوله : ﴿ الظل ﴾ الخ عاطف جملة على جملة وعاطف تشبيهات ثلاثة بل تشبيه منها يجمع الفريقين . والتقدير : ولا تستوي الظلمات والنور ولا يستوي الظل والحرور ، وقد صرح بالمقدر أخيرا في قوله : ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ .