﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ ( فصلت : 53 ) وقوله : ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ ( الذاريات : 21 ) فابتدأهم بتذكيرهم بأصل التكوين الأول من تراب وهو ما تقرر علمه لدى جميع البشر من أن أصلهم وهو البشر الأول ، خلق من طين فصار ذلك حقيقة مقررة في علم البشر وهي مما يعبر عنه في المنطق ( بالأصول الموضوعة ) القائمة مقام المحسوسات .
ثم استدرجهم إلى التكوين الثاني بدلالة خلق النسل من نطفة وذلك علم مستقر في النفوس بمشاهدة الحاضر وقياس الغائب على المشاهد ، فكما يجزم المرء بأن نسله خلق من نطفته يجزم بأنه خلق من نطفة أبوية ، وهكذا يصعد إلى تخلق أبناء آدم وحواء .
والنطفة تقدمت عند قوله تعالى : { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة في سورة الكهف .
وقوله : ثم جعلكم أزواجا } يشير إلى حالة في التكوين الثاني وهو شرطه من الازدواج . ف ﴿ ثم ﴾ عاطفة الجملة فهي دالة على الترتيب الرتبي الذي هو أهم في الغرض أعني دلالة التكوين على بديع صنع الخالق سبحانه فذلك موزع على مضمون قوله : ﴿ ثم من نطفة ﴾ .
والمعنى : ثم من نطفة وقد جعلكم أزواجا لتركيب تلك النطفة ، فالاستدلال بدقة صنع النوع الإنساني من أعظم الدلائل على وحدانية الصانع . وفيها غنية عن النظر في تأمل صنع بقية الحيوان .
والأزواج : جمع زوج وهو الذي يصير بانضمام الفرد إليه زوجا ، أي شفعا ، وقد شاع إطلاقه على صنف الذكور مع صنف الإناث لاحتياج الفرد الذكر من كل صنف إلى أنثاه من صنفه والعكس .
.
بعد الاستدلال بما في بدء التكوين الثاني من التلاقح بين النطفتين استدل بما ينشأ عن ذلك من الأطوار العارضة للنطفة في الرحم وهو أطوار الحمل من أوله إلى الوضع .