وحاصل المعنى : أن حالنا وحالكم سواء ، كل فريق يتحمل تبعة أعماله فإن كلا الفريقين كان معرضا عن الإيمان . وهذا الاستدلال مكابرة منهم وبهتان وسفسطة فإنهم كانوا يصدون الدهماء عن الدين ويختلقون لهم المعاذير . وإنما نفوا هنا أن يكونوا محولين لهم عن الإيمان بعد تقلده وليس ذلك هو المدعى . فموقع السفسطة هو قولهم : ﴿ بعد إذ جاءكم ﴾ لأن المجيء فيه مستعمل في معنى الاقتراب منه والمخالطة له .
و ﴿ إذ ﴾ في قوله : ﴿ إذ جاءكم ﴾ مجردة عن معنى الظرفية ومحضة لكونها اسم زمان غير ظرف وهو أصل وضعها كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة في سورة البقرة ، ولهذا صحت إضافة بعد ﴾ إليها لأن الإضافة قرينة على تجريد ﴿ إذ ﴾ من معنى الظرفية إلى مطلق الزمان مثل قولهم : حينئذ ويومئذ . والتقدير : بعد زمن مجيئه إياكم . و ﴿ بل ﴾ إضراب إبطال عن الأمر الذي دخل عليه الاستفهام الإنكاري ، أي ما صددناكم بل كنتم مجرمين .
والإجرام : الشرك وهو مؤذن بتعمدهم إياه وتصميمهم عليه على بصيرة من أنفسهم دون تسويل مسول .
.
لم تجر حكاية هذا القول على طريقة حكاية المقاولات التي تحكى بدون عطف على حسن الاستعمال في حكاية المقاولات كما استقريناه من استعمال الكتاب المجيد وقدمناه في قوله : ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ( البقرة : 30 ) الآية ، فجيء بحرف العطف في حكاية هذه المقالة مع أن المستضعفين جاوبوا بها قول الذين استكبروا ﴿ أنحن صددناكم ﴾ ( سبأ : 32 ) الآية لنكتة دقيقة ، وهي التنبيه على أن مقالة المستضعفين هذه هي في المعنى تكملة لمقالتهم المحكية بقوله : ﴿ يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ﴾ ( سبأ : 31 ) تنبيها على أن مقالتهم تلقفها الذين استكبروا فابتدروها بالجواب للوجه الذي ذكرناه هنالك بحيث لو انتظروا تمام كلامهم وأبلعوهم ريقهم لحصل ما فيه إبطال كلامهم ولكنهم قاطعوا