والآية هنا : الأمارة والدلالة بتبدل الأحوال وتقلب الأزمان ، فهي آية على تصرف الله ونعمته عليهم فلم يهتدوا بتلك الآية فأشركوا به ، وقد كان في إنعامه عليهم ما هو دليل على وجوده ثم على وحدانيته .
والتأكيد بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين بالتعريض بهذه القصة منزلة من يتردد في ذلك لعدم اتعاظهم بحال قوم من أهل بلادهم ، وتجريد ﴿ كان ﴾ من تأنيث الفعل لأن اسمها غير حقيقي للتأنيث ولوقوع الفصل بالمجرور .
واللام في ﴿ لسبأ ﴾ متعلق ب ﴿ آية ﴾ . والمساكن : البلاد التي يسكنونها بقرينة قوله : ﴿ جنتان عن يمين وشمال ﴾ والمساكن : ديار السكنى . وتقدم الكلام على سبأ عند قوله : { وجئتك من سبأ في سورة النمل .
واسم سبأ يطلق على الأمة كما هنا وعلى بلادهم كما في آية النمل وتقدم تفصيله .
وقرأ الجمهور في مساكنهم } بصيغة جمع مسكن . وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف بلفظ المفرد ﴿ في مسكنهم ﴾ إلا أن حمزة وحفصا فتحا الكاف ، والكسائي وخلف كسرا الكاف وهو خارج عن القياس لأنه مضارع غير مكسور العين فحق اسم المكان منه فتح العين . وشذ نحو قولهم : مسجد لبيت الصلاة .
و ﴿ جنتان ﴾ بدل من ﴿ آية ﴾ باعتبار تكملته بما اتصل به من المتعلق والقول المقدر .
و ﴿ جنتان ﴾ تشبيه بليغ ، أي في مساكنهم شبيه جنتين في أنه مغترس أشجارا ذاتت ثمر متصل بعضها ببعض مثل ما يعرف من حال الجنات ، وتثنية جنتين باعتبار أن ما على يمين السائر كجنة ، وما على يساره كجنة . وقيل : كان لكل رجل منهم في مسكنه ، أي داره جنتان جنة عن يمين المسكن وجنة عن شماله فكانوا يتفيؤون ظلالهما في الصباح والمساء ويجتنون ثمارهما من نخيل وأعناب وغيرها ، فيكون معنى التركيب على التوزيع ، أي : لكل مسكن جنتان ، كقولهم : ركب القوم دوابهم ، وهذا مناسب لقوله : ﴿ في مساكنهم ﴾ دون أن يقول في بلادهم ، أو ديارهم ، ويجوز أن يكون المراد أن مدينتهم وهي مأرب كانت محفوفة