ذلك لا يطابق الواقع لأنه محال في نظرهم القاصر ، وإن كان قاله بلسانه لإملاء عقل مختل فهو مجنون وكلام المجنون لا يوصف بالافتراء . وإنما رددوا حاله بين الأمرين بناء على أنه أخبر عن تلقي وحي من الله فلم يبق محتملا لقسم ثالث وهو أن يكون متوهما أو غالطا كما لا يخفى .
وقد استدل الجاحظ بهذه الآية لرأيه في أن الكلام يصفه العرب بالصدق إن كان مطابقا للواقع مع اعتقاد المتكلم لذلك ، وبالكذب إن كان غير مطابق للواقع ولا للاعتقاد ، وما سوى هذين الصنفين لا يوصف بصدق ولا كذب بل هو واسطة بينهما وهو الذي يخالف الواقع ويوافق اعتقاد المتكلم أو يخالف الإعتقاد الواقع أو يخالفهما معا ، أو لم يكن لصاحبه اعتقاد ، ومن هذا الصنف الأخير كلام المجنون .
ولا يصح أن تكون هذه الآية دليلا له لأنها حكت كلام المشركين في مقام تمويههم وضلالهم أو تضليلهم فهو من السفسطة ، ثم إن الافتراء أخص من الكذب لأن الافتراء كان عن عمد فمقابلته بالجنون لا تقتضي أن كلام المجنون ليس من الكذب بل إنه ليس من الافتراء .
والافتراء : الاختلاق وإيجاد خبر لا مخبر له . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة العقود .
وقد رد الله عليهم استدلالهم بما أشار إلى أنهم ضالون أو مضلون ، وواهمون أو موهمون فأبطل قولهم بحذافره بحرف الإضراب ، ثم بجملة الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } . فقابل ما وصفوا به الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفين : أنهم في العذاب وذلك مقابل قولهم : ﴿ أفترى على الله كذبا ﴾ لأن الذي يكذب على الله يسلط الله عليه عذابه ، وأنهم في ﴿ الضلال البعيد ﴾ وذلك مقابل قولهم : ﴿ به جنة ﴾ .
وعدل عن أن يقال : بل أنتم في العذاب والضلال إلى ﴿ الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ إدماجا لتهديدهم .
و ﴿ الضلال ﴾ : خطأ الطريق الموصل إلى المقصود . و ﴿ البعيد ﴾ وصف به الضلال