الكمالات التي بها استقامة السير ، وإزالة الغير ، ونزول الغيوث بالمطر . وما في الأرض منه مسارح أنظار المتفكرين ، ومنابت أرزاق المرتزقين ، وميادين نفوس السائرين .
وفي هذه الصلة تعريض بكفران المشركين الذين حمدوا أشياء ليس لها في هذه العوالم أدنى تأثير ولا لها بما تحتوي عليه أدنى شعور ، ونسوا حمد مالكها وسائر ما في السماوات والأرض .
وجملة ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ عطف على الصلة ، أي والذي له الحمد في الآخرة ، وهذا إنباء بأنه مالك الأمر كله في الآخرة .
وفي هذا التحميد براعة استهلال الغرض من السورة . وتقديم المجرور لإفادة الحصر ، أي لا حمد في الآخرة إلا له ، فلا تتوجه النفوس إلى حمد غيره لأن الناس يومئذ في عالم الحق فلا تلتبس عليهم الصور .
واعلم أن جملة : ﴿ الحمد لله ﴾ وإن اقتضت قصر الحمد عليه تعالى قصرا مجازيا للمبالغة كما تقدم في سورة الفاتحة بناء على أن حمد غير الله للاعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه ، فلما شاع ذلك في جملة ﴿ الحمد لله ﴾ وأريد إفادة أن الحمد لله مقصور عليه تعالى في الآخرة حقيقة غيرت صيغة الحمد المألوفة إلى صيغة ﴿ له الحمد ﴾ لهذا الاعتبار ، وهذا نظير معنى قوله تعالى : ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ( غافر : 16 ) ، فالمعنى : أن قصر الحمد عليه في الآخرة أحق لأن التصرفات يومئذ مقصورة عليه لا يلتبس فيها تصرف غيره بتصرفه .
ولما نيط حمده في الدنيا والآخرة بما اقتضى مرجع التصرفات إليه في الدارين أعقب ذلك بصفتي ﴿ الحكيم الخبير ﴾ ، لأن الذي أوجد أحوال النشأتين هو العظيم الحكمة الخبير بدقائق الأشياء وأسرارها . فالحكمة : إتقان التصرف بالإيجاد وضده ، والخبرة تقتضي العلم بأوائل الأمور وعواقبها .
والقرن بين الصفتين هنا لأن كل واحدة تدل على معنى أصلي ومعنى لزومي ، وهما مختلفان ، فالمعنى الأصلي للحكيم أنه متقن التصرف والصنع لأن الحكيم مشتق من الإحكام وهو الإتقان ، وهو يستلزم العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه ، والخبير هو العليم بدقائق الأشياء وظواهرها بالأولى بحيث لا يفوته شيء