ومعنى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من آذاني فقد آذى الله ) وأذى الرسول عليه الصلاة والسلام يحصل بالإنكار عليه فيما يفعله ، وبالكيد له ، وبأذى أهله مثل المتكلمين في الإفك ، والطاعنين أعماله ، كالطعن في إمارة زيد وأسامة ، والطعن في أخذه صفية لنفسه . وعن ابن عباس ( إنها نزلت في الذين طعنوا في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي لنفسه ) .
ألحقت حرمة المؤمنين بحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم تنويها بشأنهم ، وذكروا على حدة للإشارة إلى نزول رتبتهم عن رتبة الرسول عليه الصلاة والسلام . وهذا من الاستطراد معترض بين أحكام حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وآداب أزواجه وبناته والمؤمنات .
وعطف ﴿ المؤمنات ﴾ على ﴿ المؤمنين ﴾ للتصريح بمساواة الحكم وإن كان ذلك معلوما من الشريعة ، لوزع المؤذين عن أذى المؤمنات لأنهن جانب ضعيف بخلاف الرجال فقد يزعهم عنهم اتقاء غضبهم وثأرهم لأنفسهم .
والمراد بالأذى : أذى القول بقرينة قوله : ﴿ فقد احتملوا بهتانا ﴾ لأن البهتان من أنواع الأقوال وذلك تحقير لأقوالهم ، وأتبع ذلك التحقير بأنه إثم مبين . والمراد بالمبين العظيم القوي ، أي جرما من أشد الجرم ، وهو وعيد بالعقاب عليه .
وضمير ﴿ اكتسبوا ﴾ عائد إلى المؤمنين والمؤمنات على سبيل التغليب ، والمجرور في موضع الحال . وهذا الحال لزيادة تشنيع ذلك الأذى بأنه ظلم وكذب .
وليس المراد بالحال تقييد الحكم حتى يكون مفهومه جواز أذى المؤمنين والمؤمنات بما اكتسبوا ، أي أن يسبوا بعمل ذميم اكتسبوه لأن الجزاء على ذلك ليس موكولا لعموم الناس ولكنه موكول إلى ولاة الأمور كما قال تعالى : ﴿ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ﴾ ( النساء : 16 ) . وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبة وقال : ( هي أن تذكر أخاك بما يكره . فقيل : وإن كان حقا . قال : إن كان غير حق فذلك البهتان ) فأما تغيير المنكر فلا يصحبه أذى .