حفظ نظام المخلوقات العظيمة بعد خلقها ؛ فخلق السماوات والأرض آية مستقلة تقدمت ، وبقاء نظامهما على ممر القرون آية أخرى . وموقع العبرة من هاته الآية هو أولها وهو أن تقوم السماء والأرض هذا القيام المتقن بأمر الله دون غيره .
فمعنى القيام هنا : البقاء الكامل الذي يشبه بقاء القائم غير المضطجع وغير القاعد من قولهم : قامت السوق ، إذا عظم فيها البيع والشراء . وهذا هو المعبر عنه في قوله تعالى ﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ﴾ ( فاطر : 41 ) وقوله ﴿ ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ﴾ ( الحج : 65 ) .
والأمر المضاف إلى الله هو أمره التكويني وهو مجموع ما وضعه الله من نظام العالم العلوي والسفلي ، ذلك النظام الحارس لهما من تطرق الاختلال بإيجاد ذلك النظام . و ﴿ بأمره ﴾ متعلق بفعل ﴿ تقوم ، ﴾ والباء للسببية .
و ﴿ ثم ﴾ عاطفة الجملة على الجملة . والمقصود من الجملة المعطوفة الاحتراس عما قد يتوهم من قوله ﴿ أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ من أبدية وجود السماوات والأرض ، فأفادت الجملة أن هذا النظام الأرضي يعتوره الاختلال إذا أراد الله انقضاء العالم الأرضي وإحضار الخلق إلى الحشر تسجيلا على المشركين بإثبات البعث . فمضمون جملة ﴿ إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ ليس من تمام هذه الآية السادسة ولكنه تكملة وإدماج موجه إلى منكري البعث .
وفي متعلق المجرور في قوله ﴿ من الأرض ﴾ اضطراب ؛ فالذي ذهب إليه صاحب ( الكشاف ) أنه متعلق ب ﴿ دعاكم ﴾ لأن ﴿ دعاكم ﴾ لما اشتمل على فاعل ومفعول فالمتعلق بالفعل يجوز أن يكون من شؤون الفاعل ويجوز أن يكون من شؤون المفعول على حسب القرينة ، كما تقول : دعوت فلانا من أعلى الجبل فنزل إلي ، أي دعوته وهو في أعلى الجبل . وهذا الاستعمال خلاف الغالب ولكن دلت عليه القرينة مع التفصي من أن يكون المجرور متعلقا ب ﴿ تخرجون ﴾ لأن ما بعد حرف المفاجأة لا يعمل فيما قبلها ، على أن في هذا المنع نظرا . ولا يجوز تعليقه