تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

( أما أنهم سيغلبون ) } ونزلت هذه الآية فخرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة ﴿ ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ﴾ ( الروم : 1 3 ) فقال ناس من قريش لأبي بكر : فذلك بيننا وبينكم ، زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك قال : بلى وذلك قبل تحريم الرهان وقالوا لأبي بكر : كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه . فسمى أبو بكر لهم ست سنين فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان فمضت ست السنين قبل أن يظهر الروم فأخذ المشركون رهن أبي بكر . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ( ألا أخفضت يا أبا بكر ، ألا جعلته إلى دون العشر فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع ) . وعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين وأسلم عند ذلك ناس كثير . وذكر المفسرون أن الذي راهن أبا بكر هو أبي بن خلف ، وأنهم جعلوا الرهان خمس قلائص ، وفي رواية أنهم بعد أن جعلوا الأجل ستة أعوام غيروه فجعلوه تسعة أعوام وازدادوا في عدد القلائص ، وأن أبا بكر لما أراد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم تعلق به أبي بن خلف وقال له : أعطني كفيلا بالخطر إن غلبت ، فكفل به ابنه عبد الرحمن ، وكان عبد الرحمن أيامئذ مشركا باقيا بمكة . وأنه لما أراد أبي بن خلف الخروج إلى أحد طلبه عبد الرحمن بكفيل فأعطاه كفيلا . ثم مات أبي بمكة من جرح جرحه النبي صلى الله عليه وسلم فلما غلب الروم بعد سبع سنين أخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبي بن خلف . وقد كان تغلب الروم على الفرس في سنة ست وورد الخبر إلى المسلمين . وفي حديث الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : ( لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين ) . والمعروف أن ذلك كان يوم الحديبية . وقد تقدم في أول السورة أن المدة بين انهزام الروم وانهزام الفرس سبع سنين بتقديم السين وأن ما وقع في بعض الروايات أنها تسع هو تصحيف . وقد كان غلب الروم على الفرس في سلطنة هرقل قيصر الروم ، وبإثره جاء هرقل إلى بلاد الشام ونزل حمص ولقي أبا سفيان بن حرب في رهط من أهل مكة جاءوا تجارا إلى الشام .

واعلم أن هذه الرواية في مخاطرة أبي بكر وأبي بن خلف وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم إياها احتج بها أبو حنيفة على جواز العقود الربوية مع أهل الحرب . وأما الجمهور

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢١ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢١ · ص ٤٥