إلى ضمير الجلالة في قوله واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به } ( المائدة : 7 ) .
وقوله ﴿ ومنك ومن نوح ﴾ الخ هو من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام بهم فإن هؤلاء المذكورين أفضل الرسل ، وقد ذكر ضمير محمد صلى الله عليه وسلم قبلهم إيماء إلى تفضيله على جميعهم ، ثم جعل ترتيب ذكر البقية على ترتيبهم في الوجود . ولهذه النكتة خص ضمير النبي بإدخال حرف ( من ) عليه بخصوصه ، ثم أدخل حرف ( من ) على مجموع الباقين فكان قد خص باهتمامين : اهتمام التقديم ، واهتمام إظهار اقتران الابتداء بضمير بخصوصه غير مندمج في بقيتهم عليهم السلام .
وسيجيء أن ما في سورة الشورى من تقديم ﴿ ما وصى به نوحا على والذي أوحينا إليك ﴾ ( الشورى : 13 ) طريق آخر هو آثر بالغرض الذي في تلك السورة من قوله تعالى : ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم الآية ﴾ ( الشورى : 13 ) .
وجملة ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ أعادت مضمون جملة ﴿ وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ﴾ لزيادة تأكيدها ، وليبنى عليها وصف الميثاق بالغليظ ، أي : عظيما جليل الشأن في جنسه فإن كل ميثاق له عظم فلما وصف هذا ب ﴿ غليظا ﴾ أفاد أن له عظما خاصا ، وليعلق به لام التعليل من قوله { ليسأل الصادقين .
وحقيقة الغليظ : القوي المتين الخلق ، قال تعالى : فاستغلظ فاستوى على سوقه } ( الفتح : 29 ) . واستعير الغليظ للعظيم الرفيع في جنسه لأن الغليظ من كل صنف هو أمكنه في صفات جنسه .
واللام في قوله ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ لام كي ، أي : أخذنا منهم ميثاقا غليظا لنعظم جزاء للذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ولنشدد العذاب جزاء للذين يكفرون بما جاءتهم به رسل الله ، فيكون من دواعي ذكر هذا الميثاق هنا أنه توطئة لذكر جزاء الصادقين وعذاب الكافرين زيادة على ما ذكرنا من دواعي ذلك آنفا . وهذه علة من علل أخذ الميثاق من النبيئين وهي آخر العلل حصولا فأشعر