نظيره وهو المواخاة التي كانت بين رجال من المهاجرين مع رجال من الأنصار وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل بالمدينة مع من هاجر معه ، جعل لكل رجل من المهاجرين رجلا أخا له من الأنصار فآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد ، وبين الزبير وكعب بن مالك ، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، وبين سلمان وأبي الدرداء ، وبين عثمان بن مظعون وأبي قتادة الأنصاري ؛ فتوارث المتآخون منهم بتلك المؤاخاة زمانا كما يرث الإخوة ثم نسخ ذلك بهذه الآية ، كما نسخ التوارث بالتبني بآية ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ ( الأحزاب : 5 ) ، فبينت هذه الآية أن القرابة هي سبب الإرث إلا الانتساب الجعلي .
فالمراد بأولي الأرحام : الإخوة الحقيقيون . وعبر عنهم بأولي الأرحام لأن الشقيق مقدم على الأخ للأب في الميراث وهم الغالب ، فبينت الآية أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث من ولاية المتآخين المهاجرين والأنصار فعم هذا جميع أولي الأرحام وخصص بقوله ﴿ من المؤمنين والمهاجرين ﴾ على أحد وجهين في الآيتين في معنى ﴿ من . ﴾ وهو بمنزلة العام الوارد على سبب خاص وهو مطلق في الأولوية والمطلق من قبيل المجمل ، وإذ لم يكن معه بيان فمحمل إطلاقه محمل العموم ، لأن الأولوية حال من أحوال أولي الأرحام وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال ، فالمعنى : أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في جميع الولايات إلا ما خصصه أو قيده الدليل .
والآية مبينة في أن القرابة الحقيقية أرجح من الأخوة الجعلية ، وهي مجملة في تفصيل ذلك فيما بين أولي الأرحام ، وذلك مفصل في الكتاب والسنة في أحكام المواريث . وتقدم الكلام على لفظ ﴿ أولوا ﴾ عند قوله تعالى { واتقون يا أولي الألباب في سورة البقرة .
ومعنى في كتاب الله } فيما كتبه ، أي : فرضه وحكم به . ويجوز أن يراد به القرآن إشارة إلى ما تضمنته آية المواريث ، وقد تقدم نظير هذه الآية في آخر سورة الأنفال . وتقدم الكلام في توريث ذوي الأرحام إن لم يكن للميت وارث معلوم سهمه .