( النحل : 106 ) .
فالمعنى : أن أرضي التي تأمنون فيها من أهل الشرك واسعة ، وهي المدينة والقرى المجاورة لها مثل خيبر والنضير وقريظة وقينقاع ، وما صارت كلها مأمنا إلا بعد أن أسلم أهل المدينة لأن تلك القرى أحلاف لأهل المدينة من الأوس والخزرج .
وأشعر قوله : ﴿ فإياي فاعبدون ﴾ أن علة الأمر لهم بالهجرة هي تمكينهم من إظهار التوحيد وإقامة الدين . وهذا هو المعيار في وجوب الهجرة من البلد الذي يفتن فيه المسلم في دينه وتجري عليه فيه أحكام غير إسلامية . والنداء بعنوان التعريف بالإضافة لتشريف المضاف . ومصطلح القرآن أن ( عباد ) إذا أضيف إلى ضمير الجلالة فالمراد بهم المؤمنون غالبا إلا إذا قامت قرينة كقوله : ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ﴾ ( الفرقان : 17 ) ، وعليه فالوصف ب ﴿ الذين ءامنوا ﴾ لما في الموصول من الدلالة على أنهم آمنوا بالله حقا ولكنهم فتنوا إلى حد الإكراه على إظهار الكفر .
والفاء في قوله : ﴿ فإياي ﴾ فاء التفريع والفاء في قوله : ﴿ فاعبدون ﴾ إما مؤكدة للفاء الأولى للدلالة على تحقيق التفريع في الفعل وفي معموله ، أي فلا تعبدوا غيري فاعبدون ؛ وإما مؤذنة بمحذوف هو ناصب ضمير المتكلم تأكيدا للعبادة . والتقدير : وإياي اعبدوا فاعبدون ، وهو أنسب بدلالة التقديم على الاختصاص لأنه لما أفاد الأمر بتخصيصه بالعبادة كان ذكر الفاء علامة تقدير على تقدير فعل محذوف قصد من تقديره التأكيد ، وقد تقدم في قوله تعالى : { وإياي فارهبون في أوائل سورة البقرة ( 40 ) .
وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية تخفيفا ، وللرعاية على الفاصلة . ونظائره كثيرة .
اعتراض ثان بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها تأكيد الوعيد الذي تضمنته جملة : ﴿ والذين ءامنوا بالباطل ﴾ ( العنكبوت : 52 ) إلى آخرها ، والوعد الذي تضمنته جملة : ﴿ والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا ﴾ ( العنكبوت : 58 ) أي الموت مدرك جميع الأنفس