تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففرضت الأشجار كلها مقسمة أقلاما ، وفرض أن يكون البحر مدادا فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد لنفد البحر ونفدت الأقلام وما نفدت كلمات الله في نفس الأمر .

وأما قوله تعالى : ﴿ وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا ﴾ ( الأنعام : 115 ) فالتمام هنالك بمعنى التحقق والنفوذ ، وتقدم قوله تعالى : ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته في سورة الأنفال . وقد نظمت هذه الآية بإيجاز بديع إذ ابتدئت بحرف لو ﴾ فعلم أن مضمونها أمر مفروض ، وأن ل ﴿ لو ﴾ استعمالات كما حققه في ( مغنى اللبيب ) عن عبارة سيبويه . وقد تقدم عند قوله تعالى { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون في سورة الأنفال .

ومن شجرة } بيان ل ﴿ ما ﴾ الموصولة وهو في معنى التمييز فحقه الإفراد ، ولذلك لم يقل : من أشجار . والأقلام : جمع قلم وهو العود المشقوق ليرفع به المداد ويكتب به ، أي : لو تصير كل شجرة أقلاما بمقدار ما فيها من أغصان صالحة لذلك . والأقلام هو الجمع الشائع لقلم فيرد للكثرة والقلة . و ﴿ يمده ﴾ بفتح الياء التحتية وضم الميم ، أي : يزيده مدادا . والمداد بكسر الميم الحبر الذي يكتب به . يقال : مد الدواة يمدها . فكان قوله ﴿ يمده ﴾ متضمنا فرض أن يكون البحر مدادا ثم يزاد فيه إذا نشف مداده سبعة أبحر ، ولو قيل : يمده ، بضم الميم من أمد لفات هذا الإيجاز .

والسبعة : تستعمل في الكناية عن الكثرة كثيرا كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) فليس لهذا العدد مفهوم ، أي والبحر يمده أبحر كثيرة .

ومعنى ﴿ ما نفدت كلمات الله ﴾ ما انتهت ، أي : فكيف تحسب اليهود ما في التوراة هو منتهى كلمات الله ، أو كيف يحسب المشركون أن ما نزل من القرآن أوشك أن يكون انتهاء القرآن ، فيكون المثل على هذا الوجه الآخر واردا مورد المبالغة في كثرة ما سينزل من القرآن إغاظة للمشركين ، فتكون ﴿ كلمات الله ﴾ هي القرآن ، لأن المشركين لا يعرفون كلمات الله التي لا يحاط بها .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢١ · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢١ · ص ١٨٢