لأنه عدهم ضعفاء ، أي أذلة فكان يسومهم العذاب ويسخرهم لضرب اللبن وللأعمال الشاقة . والطائفة المستضعفة هي طائفة بني إسرائيل ، وضمير ﴿ منهم ﴾ عائد إلى ﴿ أهلها ﴾ لا إلى ﴿ شيعا ﴾ . وتقدم الكلام على ذبح أبناء بني إسرائيل في سورة البقرة .
وجملة ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ تعليل لجملة ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ . وقد علمت مما مضى عند قوله ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة البقرة ( 67 ) أن الخبر بتلك الصيغة أدل على تمكن الوصف مما لو قيل : أن أكون جاهلا ، فكذلك قوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ دال على شدة تمكن الإفساد من خلقه ولفعل الكون إفادة تمكن خبر الفعل من اسمه .
فحصل تأكيد لمعنى تمكن الإفساد من فرعون ، ذلك أن فعله هذا اشتمل على مفاسد عظيمة .
المفسدة الأولى : التكبر والتجبر فإنه مفسدة نفسية عظيمة تتولد منها مفاسد جمة من احتقار الناس والاستخفاف بحقوقهم وسوء معاشرتهم وبث عداوته فيهم ، وسوء ظنه بهم وأن لا يرقب فيهم موجبات فضل سوى ما يرضي شهوته وغضبه ، فإذا انضم إلى ذلك أنه ولي أمرهم وراعيهم كانت صفة الكبر مقتضية سوء رعايته لهم والاجتراء على دحض حقوقهم ، وأن يرمقهم بعين الاحتقار فلا يعبأ بجلب الصالح لهم ودفع الضر عنهم ، وأن يبتز منافعهم لنفسه ويسخر من استطاع منهم لخدمة أغراضه وأن لا يلين لهم في سياسة فيعاملهم بالغلظة وفي ذلك بث الرعب في نفوسهم من بطشه وجبروته ، فهذه الصفة هي أم المفاسد وجماعها ولذلك قدمت على ما يذكر بعدها ثم أعقبت بأنه ﴿ كان من المفسدين ﴾ .
المفسدة الثانية : أنه جعل أهل المملكة شيعا وفرقهم أقساما وجعل منهم شيعا مقربين منه ويفهم منه أنه جعل بعضهم بضد ذلك وذلك فساد في الأمة لأنه يثير بينها التحاسد والتباغض ، ويجعل بعضها يتربص الدوائر ببعض ، فتكون الفرق المحظوظة عنده متطاولة على الفرق الأخرى ، وتكدح الفرق الأخرى لتزحزح المحظوظين عن حظوتهم بإلقاء النميمة والوشايات الكاذبة فيحلوا محل الآخرين . وهكذا يذهب الزمان في مكائد بعضهم لبعض فيكون بعضهم لبعض فتنة ،