فذكرهم بدلائل الوحدانية بذكر أظهر الآيات وأكثرها تكرارا على حواسهم وأجدرها بأن تكون مقنعة في ارعوائهم عن شركهم . وهي آية ملازمة لهم طول حياتهم تخطر ببالهم مرتين كل يوم على الأقل . وتلك هي آية اختلاف الليل والنهار الدالة على انفراده تعالى بالتصرف في هذا العالم ؛ فأصنامهم تخضع لمفعولها فتظلم ذواتهم في الليل وتنير في النهار ، وفيها تذكير بتمثيل الموت والحياة بعده بسكون الليل وانبثاق النهار عقبه .
والجملة معترضة بين جملة ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ ( النمل : 85 ) وجملة ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ ( النمل : 87 ) ليتخلل الوعيد بالاستدلال فتكون الدعوة إلى الحق بالإرهاب تارة واستدعاء النظر تارة أخرى .
والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حالهم لأنها لغرابتها تستلزم سؤال من يسأل عن عدم رؤيتهم فهذه علاقة أو مسوغ استعمال الاستفهام في التعجيب ، وهي علاقة خفية أشار سعد الدين في ( المطول ) إلى عدم ظهورها وتصدى السيد الشريف إلى بيانها غاية البيان وأرجعها إلى المجاز المرسل فتأمله .
والرؤية يجوز أن تكون قلبية وجملة ﴿ أنا جعلنا ﴾ سادة مسد المفعولين ، أي كيف لم يعلموا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا مع أن ذلك واضح الدلالة على هذا الجعل . واختير من أفعال العلم فعل الرؤية لشبه هذا العلم بالمعلومات المبصرة .
ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمصدر المنسبك من الجملة مفعول الرؤية والمعنى : كيف لم يبصروا جعل الليل للسكون والنهار للإبصار مع أن ذلك بمرأى من أبصارهم . والجعل مراد منه أثره وهو اضطرار الناس إلى السكون في الليل وإلى الانتشار في النهار . فجعلت رؤية أثر الجعل بمنزلة رؤية ذلك الجعل وهذا واسع في العربية أن يجعل الأثر محل المؤثر ، والدال محل المدلول . قال النابغة :
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي
على وعل في ذي المطارة عاقل
أي على مخافة وعل .
والمبصر : اسم فاعل أبصر بمعنى رأى . ووصف النهار بأنه مبصر من قبيل