الناس أقوى وأوضح من الاستدلال بتكوين أحدهما لو كان دائما ، لأن قدرة خالق الضدين وجاعل أحدهما ينسخ الآخر كل يوم أظهر منها لو لم يخلق إلا أقواهما وأنفعهما ، ولأن النعمة بتعاقبهما دوما أشد من الأنعام بأفضلهما وأنفعهما لأنه لو كان دائما لكان مسؤوما ولحصلت منه طائفة من المنافع ، وفقدت منافع ضده . فالتنقل في النعم مرغوب فيه ولو كان تنقلا إلى ما هو دون . وسيق إليهم هذا الاستدلال بأسلوب تلقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم اهتماما بهذا التذكير لهذا الاستدلال ولاشتماله على ضدين متعاقبين ، حتى لو كانت عقولهم قاصرة عن إدراك دلالة أحد الضدين لكان في الضد الآخر تنبيه لهم ، ولو قصروا عن حكمة كل واحد منهما كان في تعاقبهما ما يكفي للاستدلال .
وجيء في الشرطين بحرف ﴿ إن ﴾ لأن الشرط مفروض فرضا مخالفا للواقع . وعلم أنه قصد الاستدلال بعبرة خلق النور ، فلذلك فرض استمرار الليل ، والمقصود ما بعده وهو قوله ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ .
والسرمد : الدائم الذي لا ينقطع . قال في ( الكشاف ) : من السرد وهو المتابعة ومنه قولهم في الأشهر الحرم : ثلاثة سرد وواحد فرد . والميم مزيدة ووزنه فعمل ، ونظيره دلامص من الدلاص اه . دلامص ( بضم الدال وكسر الميم ) من صفات الدرع وأصلها دلاص ( بدال مكسورة ) أي براقة . ونسب إلى صاحب ( القاموس ) وبعض النحاة أن ميم سرمد أصلية وأن وزنه فعلل . والمراد بجعل الليل سرمدا أن لا يكون الله خلق الشمس ويكون خلق الأرض فكانت الأرض مظلمة .
والرؤية قلبية . والاستفهام في ﴿ أرأيتم ﴾ تقريري ، والاستفهام في ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ إنكاري وهم معترفون بهذا الانتفاء وأن خالق الليل والنهار هو الله تعالى لا غيره .
والمراد بالغاية في قوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ إحاطة أزمنة الدنيا وليس المراد انتهاء جعله سرمدا .
والإتيان بالضياء وبالليل مستعار للإيجاد ؛ شبه إيجاد الشيء الذي لم يكن