ولقد أنطقهم الله بحكمة جعلها مستأهلة لأن تنظم في سلك الإعجاز فألهمهم تلك الكلمات ثم شرفها بأن حيكت في نسج القرآن ، كما ألهم عمر قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكن ﴾ ( التحريم : 5 ) الآية .
ومعنى ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ أن أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ملازمتهم إياها وأما قولهم ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ فهو تتميم على حد ﴿ لكم دينكم ولي دين ﴾ ( الكافرون : 6 ) .
والمقصود من السلام أنه سلام المتاركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود لمخاطبتكم قال الحسن : كلمة : السلام عليكم ، تحية بين المؤمنين ، وعلامة الاحتمال من الجاهلين . ولعل القرآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز لأن تأخير الكلام الذي فيه المتاركة إلى آخر الخطاب أولى ليكون فيه براعة المقطع .
وحذف القرآن قولهم : لم نأل أنفسنا رشدا ، للاستغناء عنه بقولهم ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ .
السابعة : ما أفصح عنه قولهم ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ من أن ذلك خلقهم أنهم يتطلبون العلم ومكارم الأخلاق . والجملة تعليل للمتاركة ، أي لأنا لا نحب مخالطة أهل الجهالة بالله وبدين الحق وأهل خلق الجهل الذي هو ضد الحلم ، فاستعمل الجهل في معنييه المشترك فيها ولعله تعريض بكنية أبي جهل الذي بذا عليهم بلسانه .
والظاهر أن هذه الكلمة يقولونها بين أنفسهم ولم يجهروا بها لأبي جهل وأصحابه بقرينة قوله ﴿ ويدرأون بالحسنة السيئة ﴾ وقوله ﴿ سلام عليكم ﴾ وبذلك يكون القول المحكي قولين : قول وجهوه لأبي جهل وصحبه ، وقول دار بين أهل الوفد .