تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجمع الآيات لأن في كل ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما عطف عليه آيات .

فإن أريد الاستدلال بها على وجود الله تعالى فقد كانت دلائل واضحة وكان ردا على الدهريين من العرب وكان ذكرهم بعد الذين كفروا وماتوا وهم كفار المراد بهم المشركون تكميلا لأهل النحل في العرب ، ويكون قوله بعد ذلك : ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ﴾ ( البقرة : 165 ) رجوعا إلى المشركين وهذا الوجه يرجع إلى الاستدلال بالعالم على الصانع وهو دليل مشهور في كتب الكلام .

وإن أريد الاستدلال بهاته الدلائل على وحدانية الله تعالى المستلزمة لوجوده وهو الظاهر من قوله : ﴿ لقوم يعقلون ﴾ ، لأن الاستدلال بهاته الدلائل وأمثالها على وجود الصانع لا يدل على كمال عقل بخلاف الاحتجاج بها على الوحدانية ، ولأنه ذكره بعد قوله : ﴿ وإلاهاكم إلاه واحد لا إلاه إلا هو ﴾ ، ولأن دهماء العرب كانوا من المشركين لا من المعطلين الدهريين . وكفاية هذه الدلائل في الرد على المشركين من حيث إنهم لم يكونوا يدعون للأصنام قدرة على الخلق كما أشار إليه قوله تعالى : ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ﴾ ( النحل : 17 ) .

وإن أريد الاستدلال بهذه الآثار لوحدانية الله على الأمم التي تثبت الاشتراك للآلهة في الإيجاد مثل مجوس الفرس ومشركي اليونان . فوجه دلالة هاته الآيات على الوحدانية أن هذا النظام البديع في الأشياء المذكورة وذلك التدبير في تكوينها وتفاعلها وذهابها وعودها ومواقيتها كل ذلك دليل على أن لها صانعا حكيما متصفا بتمام العلم والقدرة والحكمة وهي الصفات التي تقتضيها الألهانية ، ولا جرم أن يكون الإلاه الموصوف بهاته الصفات واحدا لاعتراف المشركين بأن نواميس الخلق وتسيير العالم من فعل الله تعالى ، إذا لم يدعوا لشركائهم الخلق ولذلك قال تعالى : ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ﴾ ( النحل : 17 ) ، وذكر في سورة النمل الاستدلال ببعض ما هنا على أن لا إلاه مع الله ، فالمقصود التذكير بانتفاء حقيقة الإلاهية عن شركائهم ، وأما طريقة الاستدلال العلمية فهي بالبرهان الملقب في علم الكلام ببرهان التمانع وسيأتي عند قوله : ﴿ لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ( الأنبياء : 22 ) في سورة الأنبياء .

والقوم : الجماعة من الرجال ويطلق على قبيلة الرجل كما قال عمرو بن معدي كرب :

فلو أن قومي أنقطتني رماحهم

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٨٨