في قوله : ﴿ من كل دابة ﴾ تبعيضية وهي ظرف لغو ، أي أكثر فيها عددا من كل نوع من أنواع الدواب بمعنى أن كل نوع من أنواع الدواب ينبث بعض كثير من كل أنواعه ، فالتنكير في دابة للتنويع أي أكثر الله من كل الأنواع لا يختص ذلك بنوع دون آخر .
والبث في الأصل نشر ما كان خفيا ومنه بث الشكوى وبث السر أي أظهره . قالت الأعرابية ( لقد أبثثتك مكتومي وأطعمتك مأدومي ) وفي حديث أم زرع قالت السادسة ( ولا يولج الكف ليعلم البث ) أي لا يبحث عن سر زوحته لتفشوه له ، فمثلت البحث بإدخال الكف لإخراج المخبوء ، ثم استعمل البث مجازا في انتشار الشيء بعد أن كان كامنا كما في هاته الآية واستعمل أيضا في مطلق الانتشار ، قال الحماسي :
وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا
وفي الأرض مثبوت شجاع وعقرب
وبث الدواب على وجه عطفه على فعل ﴿ أنزل ﴾ هو خلق أنواع الدواب على الأرض فعبر عنه بالبث لتصوير ذلك الخلق العجيب المتكاثر فالمعنى وخلق فبث فيها من كل دابة .
وعلى وجه عطف ﴿ وبث ﴾ على ﴿ فأحيا ﴾ فبث الدواب انتشارها في المراعي بعد أن كانت هازلة جاثمة وانتشار نسلها بالولادة وكل ذلك انتشار وبث وصفه لبيد بقوله :
رزقت مرابيع النجوم وصابها
ودق الرواعد جودها فرهامها
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت
بالجلهتينن ظباؤها ونعامها
والآية أوجز من بيتي لبيد وأوفر معنى فإن قوله تعالى : ﴿ وما أنزل الله من السماء من ماء ﴾ أوجز من البيت الأول ، وقوله : ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ أوجز من قوله فعلا فروع الأيهقان وأعم وأبرع بما فيه من استعارة الحياة ، وقوله : ﴿ وبث فيها من كل دابة ﴾ أوجز من قوله وأطفلت البيت مع كونه أعم لعدم اقتصاره على الظباء والنعام .
والدابة ما دب على وجه الأرض وقد أذنت كلمة ﴿ كل ﴾ بأن المراد جميع الأنواع فانتفى احتمال أن يراد من الدابة خصوص ذوات الأربع .
وقد جمع قوله تعالى : ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ﴾ أصول علم التاريخ الطبيعي وهو المواليد الثلاثة المعدن والنبات والحيوان ، زيادة على ما في بقية الآية سابقا ولاحقا من الإشارات العلمية الراجعة لعلم الهيئة وعلم الطبيعة وعلم الجغرافيا الطبيعية وعلم حوادث الجو .