تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله : ﴿ قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ الآية ، أي الذين لا يحبون الحياة ويرجون الشهادة في سبيل الله ، فلقاء الله هنا كناية عن الموت في مرضاة الله شهادة وفي الحديث ( من أحب لقاء اللهأحب الله لقاءه ) فالظن على بابه . وفي قوله : ﴿ كم من فئة ﴾ خبرية لا محالة إذ لا موقع للاستفهام فإنهم قصدوا بقولهم هذا تثبيت أنفسهم وأنفس رفقائهم ، ولذلك دعوا إلى ما به النصر وهو الصبر والتوكل فقالوا ﴿ والله مع الصابرين ﴾ .

والفئة : الجماعة من الناس مشتقة من الفيء وهو الرجوع ، لأن بعضهم يرجع إلى بعض ، ومنه سميت مؤخرة الجيش فئة ، لأن الجيش يفىء إليها .

وقوله : ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا ﴾ هذا دعاؤهم حين اللقاء بطلب الصبر من الله ، وعبروا عن إلهامهم إلى الصبر بالإفراغ استعارة لقوة الصبر فإن القوة والكثرة يتعاوران الألفاظ الدالة عليهما ، كقول أبي كبير الهذلي :

كثير الهوى شتى النوى والمسالك

وقد تقدم نظيره ، فاستعير الإفراغ هنا للكثرة مع التعميم والإحاطة وتثبيت الأقدام استعارة لعدم الفرار شبه الفرار والخوف بزلق القدم ، فشبه عدمه بثبات القدم في المأزق .

وقد أشارت الآية في قوله : ﴿ فهزموهم ﴾ إلخ إلى انتصار بني إسرائيل على الفلسطينيين وهو انتصار عظيم كان به نجاح بني إسرائيل في فلسطين وبلاد العمالقة ، مع قلة عددهم فقد قال مؤرخوهم إن طالوت لما خرج لحرب الفلسطينيين جمع جيشا فيه ثلاثة آلاف رجل ، فلما رأوا كثرة الفلسطينيين حصل لهم ضنك شديد واختبأ معظم الجيش في جبل افرايم في المغارات والغياض والآبار ، ولم يعبروا الأردن ، ووجم طالوت واستخار صمويل ، وخرج للقتال فلما اجتاز نهر الأردن عد الجيش الذي معه فلم يجد إلا نحو ستمائة رجل ، ثم وقعت مقاتلات كان النصر فيها لبني إسرائيل ، وتشجع الذين جبنوا واختبأوا في المغارات وغيرها فخرجوا وراء الفلسطينيين وغنموا غنيمة كثيرة ، وفي تلك الأيام من غير بيان في كتب اليهود لمقدار المدد بين الحوادث ولا تنصيص على المتقدم منها والمتأخر ومع انتقالات في القصص غير متناسبة ، ظهر داود بن يسى اليهودي إذ أوحى الله إلى صمويل أن يذهب إلى بيت يسى في بيت لحم ويمسح أصغر أبناء يسى ليكون ملكا على إسرائيل بعد حين ، وساق الله داود إلى شاول ( طالوت ) بتقدير عجيب فحظى عند شاول ، وكان داود من قبل راعي غنم أبيه ، وكان ذا شجاعة ونشاط

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٤٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٤٩٩