تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عقدة النكاح } أن بيده التصرف فيها بالإبقاء ، والفسخ بالطلاق ، ومعنى عفوه : تكميله الصداق ، أي إعطاؤه كاملا .

وهذا قول بعيد من وجهين : أحدهما أن فعل المطلق حينئذ لا يسمى عفوا بل تكميلا وسماحة ؛ لأن معناه أن يدفع الصداق كاملا ، قال في ( الكشاف ) : ( وتسمية الزيادة على الحق عفوا فيه نظر ) إلا أن يقال : كان الغالب عليهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج ، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف الصداق ، فإذا ترك ذلك فقد عفا ، أو سماه عفوا على طريق المشاكلة .

الثاني أن دفع المطلق المهر كاملا للمطلقة إحسان لا يحتاج إلى تشريع مخصوص ، بخلاف عفو المرأة أو وليها ، فقد يظن أحد أن المهر لما كان ركنا من العقد لا يصح إسقاط شيء منه .

وقوله : ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ تذييل أي العفو من حيث هو ، ولذلك حذف المفعول ، والخطاب لجميع الأمة ، وجيء بجمع المذكر للتغليب ، وليس خطابا للمطلقين ، وإلا لما شمل عفو النساء مع أنه كله مرغوب فيه ، ومن الناس من استظهر بهذه الآية على أن المراد بالذي بيده عقدة النكاح المطلق ، لأنه عبر عنه بعد بقوله : ﴿ وأن تعفوا ﴾ وهو ظاهر في المذكر ، وقد غفل عن مواقع التذييل في آي القرآن كقوله : ﴿ أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ﴾ ( النساء : 128 ) .

ومعنى كون العفو أقرب للتقوى : أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق ؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته ، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته ، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد ، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع ، والوازع شرعي وطبيعي ، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة ، فتكون التقوى أقرب إليه ، لكثرة أسبابها فيه .

وقوله : ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ تذييل ثان ، معطوف على التذييل الذي قبله ، لزيادة الترغيب في العفو بما فيه من التفضل الدنيوي ، وفي الطباع السليمة حب الفضل .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٤٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٤٦٤