تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعل الطيبي منه قوله تعالى : ﴿ وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلاهين من دون الله ﴾ ( المائدة : 116 ) . فالمعنى التعريضي في مثل هذا حاصل من الملازمة ، وكقول القائل ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ) في حضرة من عرف بأذى الناس ، فالمعنى التعريضي حاصل من علم الناس بمماثلة حال الشخص المقصود للحالة التي ورد فيها معنى الكلام ، ولما كانت المماثلة شبيهة بالملازمة لأن حضور المماثل في الذهن يقارن حضور مثيله صح أن نقول إن المعنى التعريضي بالنسبة إلى المركبات شبيه بالمعنى الكنائي بالنسبة إلى دلالة الألفاظ المفردة ، وإن شئت قلت : المعنى التعريضي من قبيل الكناية بالمركب فخص باسم التعريض كما أن المعنى الكنائي من قبيل الكناية باللفظ المفرد ، وعلى هذا فالتعريض من مستتبعات التراكيب ، وهذا هو الملاقى لما درج عليه صاحب ( الكشاف ) في هذا المقام ، فالتعريض عنده مغاير للكناية من هذه الجهة وإن كان شبيها بها ، ولذلك احتاج إلى الإشارة إلى الفرق بينهما ، فالنسبة بينهما عنده التباين . وأما السكاكي فقد جعل بعض التعريض من الكناية وهو الأصوب ، فصارت النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي ، وقد حمل الطيبي والتفتازاني كلام ( الكشاف ) على هذا ، ولا إخاله يتحمله .

وإذ قد تبين لك معنى التعريض ، وعلمت حد الفرق بينه وبين الصريح فأمثلة التعريض والتصريح لا تخفى ، ولكن فيما أثر من بعض تلك الألفاظ إشكال لا ينبغي الإغضاء عنه في تفسير هذه الآية .

إن المعرض بالخطبة تعريضه قد يريده لنفسه وقد يريده لغيره بوساطته ، وبين الحالتين فرق ينبغي أن يكون الحكم في المتشابه من التعريض ، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة ابنة قيس ، وهي في عدتها من طلاق زوجها عمرو بن حفص آخر الثلاث ( كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك ) أي لا تستبدي بالتزوج قبل استئذاني وفي رواية ( فإذا حللت فآذنيين ) وبعد انقضاء عدتها خطبها لأسامة بن زيد ، فهذا قول لا خطبة فيه وإرادة المشورة فيه واضحة .

ووقع في ( الموطأ ) : أن القاسم بن محمد كان يقول في قوله تعالى : ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها : ( إنك علي لكريمة وإني فيك لراغب ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٤٥١