إذ العرف كالشرط ، والمرأة المطلقة لا حق لزوجها عليها ، فلا ترضع له إلا باختيارها . ما لم يعرض في الحالين مانع أو موجب ، مثل عجز المرأة في العصمة عن الإرضاع لمرض ، ومثل امتناع الصبي من رضاع غيرها ، إذا كانت مطلقة بحيث يخشى عليه ، والمرأة التي لا يرضع مثلها وهي ذات القدر ، قد علم الزوج حينما تزوجها أن مثلها لا يرضع ، فلم يكن له عليها حق الإرضاع . هذا قول مالك ، إذ العرف كالشرط ، وقد كان ذلك عرفا من قبل الإسلام وتقرر في الإسلام ، وقد جرى في كلام المالكية في كتب الأصول : أن مالكا خصص عموم الوالدات بغير ذوات القدر ، وأن المخصص هو العرف ، وكنا نتابعهم على ذلك ولكني الآن لا أرى ذلك متجها ولا أرى مالكا عمد إلى التخصيص أصلا ، لأن الآية غير مسوقة لإيجاب الإرضاع ، كما تقدم .
وقوله : ﴿ إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ﴾ أي إذا سلمتم إلى المراضع أجورهن . فالمراد بما آتيتم : الأجر ، ومعنى آتى في الأصل دفع ؛ لأنه معدى أتى بمعنى وصل ، ولما كان أصل إذا أن يكون ظرفا للمستقبل مضمنا معنى الشرط ، لم يلتئم أن يكون مع فعل ﴿ آتيتم ﴾ الماضي .
وتأول في ( الكشاف ) ﴿ آتيتم ﴾ بمعنى : أردتم إيتاءه ، كقوله تعالى : ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ ( المائدة : 6 ) تبعا لقوله : ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ﴾ ، والمعنى : إذا سلمتم أجور المراضع بالمعروف ، دون إجحاف ولا مطل .
وقرأ ابن كثير ﴿ أتيتم ﴾ بترك همزة التعدية . فالمعنى عليه : إذا سلمتم ما جئتم ، أي ما قصدتم ، فالإتيان حينئذ مجاز عن القصد ، كقوله تعالى : ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ ( الصافات : 84 ) وقال زهير :
وما كان من خير أتوه فإنما
توارثه آباء آبائهم قبل
وقوله : ﴿ واتقوا الله ﴾ تذييل للتخويف ، والحث على مراقبة ما شرع الله ، من غير محاولة ولا مكابدة ، وقوله : ﴿ واعلموا أن الله ﴾ تذكير لهم بذلك ، وإلا فقد علموه . وقد تقدم نظيره آنفا .