عن مالك قال : ( وقول الله عز وجل : ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ هو منسوخ فقال النحاس : ( ما علمت أحدا من أصحاب مالك بين ما الناسخ ، والذي يبينه أن يكون الناسخ لها عند مالك أنه لما أوجب الله للمتوفى عنها زوجها نفقة حول ، والسكنى من مال المتوفى ، ثم نسخ ذلك نسخ أيضا عن الوارث ) يريد أن الله لما نسخ وجوب ذلك في تركة الميت نسخ كل حق في التركة بعد الميراث ، فيكون الناسخ هو الميراث ، فإنه نسخ كل حق في المال على أولياء الميت .
وعندي أن التأويل الذي في ( مدونة سحنون ) بعيد لما تقدم آنفا ، وأن ما نحاه مالك في رواية أسد بن الفرات عن ابن القاسم هو التأويل الصحيح ، وأن النسخ على ظاهر المراد منه ، والناسخ لهذا الحكم هو إجماع الأمة على أنه لاحق في مال الميت ، بعد جهازه وقضاء دينه ، وتنفيذ وصيته ، إلا الميراث فنسخ بذلك كل ما كان مأمورا به أن يدفع من مال الميت مثل الوصية في قوله تعالى : ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ﴾ ( البقرة : 180 ) الآية ، ومثل الوصية بسكنى الزوجة وإنفاقها في قوله تعالى : ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم يتربصن بأنفسهن ﴾ ( البقرة : 240 ) ونسخ منه حكم هذه الآية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث ) هذا إذا حمل الوارث في الآية على وارث الميت أي إن ذلك حق على جميع الورثة أيا كانوا بمعنى أنه مبدأ المواريث . وإذا حمل الوارث على من هو بحيث يرث الميت لو ترك الميت مالا ، أعني قريبه ، بمعنى أن عليه إنفاق ابن قريبه ، فذلك منسوخ بوضع بيت المال وذلك أن هذه الآية شرعت هذا الحكم في وقت ضعف المسلمين ، لإقامة أود نظامهم بتربية أطفال فقرائهم ، وكان أولى المسلمين بذلك أقربهم من الطفل فكما كان يرث قريبه ، لو ترك مالا ولم يترك ولدا فكذلك عليه أن يقام ببينة ، كما كان حكم القبيلة في الجاهلية في ضم أيتامهم ودفع دياتهم ، فلما اعتز الإسلام صار لجامعة المسلمين مال ، كان حقا على جماعة المسلمين القيام بتربية أبناء فقرائهم ، وفي الحديث الصحيح ( من ترك كلا ، أو ضياعا ، فعلي ، ومن ترك مالا فلوارثه ) ولا فرق بين إطعام الفقير وبين إرضاعه ، وما هو إلا نفقة ، ولمثله وضع بيت المال .
وقوله : ﴿ فإنأراد فصالا ﴾ عطف على قوله ﴿ يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ لأنه متفرع عنه ، والضمير عائد على الوالدة والمولود له الواقعين في الجمل قبل هذه .