تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأن الزمخشري في ( الأساس ) ذكر هذا المعنى في المجاز ، فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملا ذا مشقة باتساع الظرف للمحوي ، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلا عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه ، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة . فالوسع إن كان بكسر الواو فهو فعل بمعنى مفعول كذبح ، وإن كان بضمها فهو مصدر كالصلح والبرء صار بمعنى المفعول ، وإن كان بفتحها فهو مصدر كذلك بمعنى المفعول كالخلق والدرس والتكليف بما فوق الطاقة منفي في الشريعة . وبني فعل تكلف للنائب ليحذف الفاعل ، فيفيد حذفه عموم الفاعلين ، كما يفيد وقوع نفس ، وهو نكرة في سياق النفس ، عموم المفعول الأول لفعل تكلف : وهو الأنفس المكلفة ، وكما يفيد حذف المستثنى في قوله : ﴿ إلا وسعها ﴾ عموم المفعول الثاني لفعل تكلف ، وهو الأحكام المكلف بها ، أي لا يكلف أحد نفسا إلا وسعها ، وذلك تشريع من الله للأمة بأن ليس لأحد أن يكلف أحدا إلا بما يستطيعه ، وذلك أيضا وعد من الله بأنه لا يكلف في التشريع الإسلامي إلا بما يستطاع : في العامة والخاصة ، فقد قال في آيات ختام هذه السورة ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾ ( البقرة : 286 ) .

والآية تدل على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في شريعة الإسلام ، وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند قوله تعالى : ﴿ لا يكلفو الله نفسا إلا وسعها ﴾ في آخر السورة .

وجملة ﴿ لا تضار والدة بولدها ﴾ اعتراض ثان ، ولم تعطف على التي قبلها تنبيها على أنها مقصودة لذاتها ، فإنها تشريع مستقل ، وليس فيها معنى التعليل الذي في الجملة قبلها بل هي كالتفريع على جملة ﴿ لا تكلف نفس إلا وسعها ﴾ ؛ لأن إدخال الضر على أحد بسبب ما هو بضعة منه ، يكاد يخرج عن طاقة الإنسان ؛ لأن الضرار تضيق عنه الطاقة ، وكونه بسبب من يترقب منه أن يكون سبب نفع أشد ألما على النفس ، فكان ضره أشد . ولذلك اختير لفظ الوالدة هنا دون الأم كما تقدم في قوله : ﴿ يرضعن أولادهن ﴾ وكذلك القول في ﴿ ولا مولود له بولده ﴾ وهذا الحكم عام في جميع الأحوال من فراق أو دوام عصمة ، فهو كالتذييل ، وهو نهي لهما عن أن يكلف أحدهما الآخر ما هو فوق طاقته ، ويستغل ما يعلمه من شفقة الآخر على ولده فيفترص ذلك لإحراجه ، والإشفاق عليه .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٤٣٣