الانفعال قريبة القلب ، فإذا جاء منع فإنما يجيء من قبل الأولياء ولذلك لم يذكر الله ترغيب النساء في الرضا بمراجعة أزواجهن ونهى الأولياء عن منعهن من ذلك .
وقد عرف من شأن الأولياء في الجاهلية وما قاربها ، الأنفة من أصهارهم ، عند حدوث الشقاق بينهم وبين ولاياهم ، وربما رأوا الطلاق استخفافا بأولياء المرأة وقلة اكتراث بهم ، فحملتهم الحمية على قصد الانتقام منهم عند ما يرون منهم ندامة ، ورغبة في المراجعة وقد روى في ( الصحيح ) أن البداح بن عاصم الأنصاري طلق زوجه جميلا بالتصغير وقيل جملا وقيل جميلة ابنة معقل بن يسار فلما انقضت عدتها ، أراد مراجعتها ، فقال له أبوها معقل بن يسار : ( إنك طلقتها طلاقا له الرجعة ، ثم تركتها حتى انقضت عدتها ، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب ، والله لا أنكحتكها أبدا ) فنزلت هذه الآية ، قال معقل ( فكفرت عن يميني وأرجعتها إليه ) وقال الواحدي : نزلت في جابر بن عبد الله كانت له ابنة عم طلقها زوجها وانقضت عدتها ، ثم جاء يريد مراجعتها ، وكانت راغبة فيه ، فمنعه جابر من ذلك فنزلت .
والمراد من أجلهن هو العدة ، وهو يعضد أن ذلك هو المراد من نظيره في الآية السابقة ، وعن الشافعي ( دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ) فجعل البلوغ في الآية الأولى ، بمعنى مشارفة بلوغ الأجل ، وجعله هنا بمعنى انتهاء الأجل . فجملة ﴿ وإذا طلقتم النساء ﴾ عطف على ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغت أجلهن فأمسكوهن بمعروف ﴾ ( البقرة : 231 ) الآية .
والخطاب الواقع في قوله ﴿ طلقتم ﴾ و ﴿ تعضلوهن ﴾ ينبغي أن يحمل على أنه موجه إلى جهة واحدة دون اختلاف التوجه ، فيكون موجها إلى جميع المسلمين ، لأن كل واحد صالح لأن يقع منه الطلاق إن كان زوجا ، ويقع منه العضل إن كان وليا ، والقرينة ظاهرة على مثله فلا يكاد يخفى في استعمالهم ، ولما كان المسند إليه أحد الفعلين ، غير المسند إليه الفعل الآخر ، إذ لا يكون الطلاق ممن يكون منه العضل ولا العكس ، كان كل فريق يأخذ من الخطاب ما هو به جدير ، فالمراد بقوله : ﴿ طلقتم ﴾ أوقعتم الطلاق ، فهم الأزواج ، وبقوله ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ النهي عن صدور العضل ، وهم أولياء النساء .
وجعل في ( الكشاف ) الخطاب للناس عامة أي إذا وجد فيكم الطلاق وبلغ المطلقات أجلهن ، فلا يقع منكم العضل