تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفارسس في غمار الموت منغمس

إذا تألى على مكروهة صدقا

( أي إذا حلف على أن يقاتل أو يقتل أو نحو ذلك من المصاعب والأضرار ومنه سميت الحرب كريهة ) فصار نطقهم باليمين مؤذنا بالغرم ، وكثر ذلك في ألسنتهم في أغراض التأكيد ونحوه ، حتى صار يجري ذلك على اللسان كما تجري الكلمات الدالة على المعاني من غير إرادة الحلف ، وصارت كثرته في الكلام لا تنحصر ، فكثر التحرج من ذلك في الإسلام قال كثير :

قليل الألايى حافظ ليمينه

وإن سبقت منه الألية برت

فأشبهه جريان الحلف على اللسان اللغو من الكلام .

وقد اختلف العلماء في المراد من لغو اليمين في هذه الآية ، فذهب الجمهور إلى أن اللغو هو اليمين التي تجري على اللسان ، لم يقصد المتكلم بها الحلف ، ولكنها جرت مجرى التأكيد أو التنبيه ، كقول العرب : لا والله ، وبلى والله . وقول القائل : والله لقد سمعت من فلان كلاما عجبا ، وغير هذا ليس بلغو ، وهذا قول عائشة ، رواه عنها في ( الموطأ ) و ( الصحاح ) ، وإليه ذهب الشعبي ، وأبو قلابة ، وعكرمة ، ومجاهد ، وأبو صالح ، وأخذ به الشافعي ، والحجة له أن الله قد جعل اللغو قسيما للتي كسبها القلب في هذه الآية ، وللتي عقد عليها الحالف اليمين في قوله : ﴿ ولكن يؤاخذكم بما ﴾ ( المائدة : 89 ) فما عقدتم الأيمان هو ما كسبته القلوب ؛ لأن ما كسبت قلوبكم مبين ، فيحمل عليه مجمل ﴿ ما عقدتم ﴾ ، فتعين أن تكون اللغو هي التي لا قصد فيها إلى الحلف ، وهي التي تجري على اللسان دون قصد ، وعليه فمعنى نفي المؤاخذة نفي المؤاخذة بالإثم وبالكفارة ؛ لأن نفي الفعل يعم ، فاليمين التي لا قصد فيها لا إثم ولا كفارة عليها ، وغيرها تلزم فيه الكفارة للخروج من الإثم بدليل آية المائدة ؛ إذ فسر المؤاخذة فيها بقوله : ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين ﴾ ( المائدة : 89 ) فيكون في الغموس ، وفي يمين التعليق ، وفي اليمين على الظن ، ثم يتبين خلافه ، الكفارة في جميع ذلك .

وقال مالك : ( لغو اليمين أن يحلف على شيء يظنه كذلك ثم يتبين خلاف ظنه ) قال في ( الموطأ ) : ( وهذا أحسن ما سمعت إلى في ذلك ) وهو مروي في غير ( الموطأ ) ، عن أبي هريرة ومن قال به الحسن وإبراهيم وقتادة والسدي ومكحول وابن أبي نجيح . ووجهه من الآية : أن الله تعالى جعل المؤاخذة على كسب القلب في اليمين ، ولا تكون

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٣٨٢