تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما في الآية الأخرى : ﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول ﴾ ( التوبة : 13 ) . ثم إن الله تعالى أجلهم أجلا وهو انقضاء الأشهر الحرم من ذلك العام وهو تسعة من الهجرة في حجة أبي بكر بالناس ، لأن تلك الآية نزلت في شهر شوال وقد خرج المشركون للحج فقال لهم ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ فأخرها آخر المحرم من عام عشرة من الهجرة ، ثم قال : ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي تلك الأشهر الأربعة ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ فنسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم ، لأن المشركين جمع معرف بلام الجنس وهو من صيغ العموم وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة على التحقيق ، ولذلك قاتل النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا في شهر ذي القعدة عقب فتح مكة كما في كتب الصحيح . وأغزى أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام ، وقد أجمع المسلمون على مشروعية الغزو في جميع أشهر السنة يغزون أهل الكتاب وهم أولى بالحرمة في الأشهر الحرم من المشركين .

فإن قلت : إذا نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ) فإن التشبيه يقتضي تقرير حرمة الأشهر . قلت : إن تحريم القتال فيها تبع لتعظيمها وحرمتها وتنزيهها عن وقوع الجرائم والمظالم فيها فالجريمة فيها تعد أعظم منها لو كانت في غيرها . والقتال الظلم محرم في كل وقت ، والقتال لأجل الحق عبادة فنسخ تحريم القتال فيها لذلك وبقيت حرمة الأشهر بالنسبة لبقية الجرائم .

وأحسن من هذا أن الآية قررت حرمة القتال في الأشهر الحرم لحكمة تأمين سبل الحج والعمرة ، إذ العمرة أكثرها في رجب ولذلك قال : ﴿ قتال فيه كبير ﴾ واستمر ذلك إلى أن أبطل النبي صلى الله عليه وسلم الحج على المشركين في عام حجة أبي بكر بالناس ؛ إذ قد صارت مكة بيد المسلمين ودخل في الإسلام قريش ومعظم قبائل العرب والبقية منعوا من زيارة مكة ، وأن ذلك كان يقتضي إبطال تحريم القتال في الأشهر الحرم ؛ لأن تحريمه فيها لأجل تأمين سبيل الحج والعمرة . وقد تعطل ذلك بالنسبة للمشركين ولم يبق الحج إلا للمسلمين وهم لا قتال بينهم ، إذ قتال الظلم محرم في كل زمان وقتال الحق يقع في كل وقت ما لم يشغل عنه شاغل مثل الحج ، فتسميته

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٣٢٧