قديم ، ولم يذكر الإسلام إبطال ذلك الحجر ؛ لأنه من المصالح قال تعالى ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ﴾ ( المائدة : 97 ) فكان الحال يبعث على السؤال عن استمرار حرمة الشهر الحرام في نظر الإسلام .
روى الواحدي في ( أسباب النزول ) عن الزهري مرسلا وروى الطبري عن عروة بن الزبير مرسلا ومطولا ، أن هذه الآية نزلت في شأن سرية عبد الله بن جحش ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في ثمانية من أصحابه يتلقى عيرا لقريش ببطن نخلة في جمادى الآخرة في السنة الثانية من الهجرة ، فلقي المسلمون العير فيها تجارة من الطائف وعلى العير عمرو بن الحضرمي ، فقتل رجل من المسلمين عمرا وأسر اثنين من أصحابه وهما عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان وفر منهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة وغنم المسلمون غنيمة ، وذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة ، فعظم ذلك على قريش وقالوا : استحل محمد الشهر الحرام وشنعوا ذلك فنزلت هذه الآية . فقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليهم الغنيمة والأسيرين ، وقيل : رد الأسيرين وأخذ الغنيمة .
فإذا صح ذلك كان نزول هذه الآية قبل نزول آية ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ ( البقرة : 216 ) وآية ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلونكم ﴾ ( البقرة : 190 ) بمدة طويلة فلما نزلت الآيتان بعد هذه ، كان وضعهما في التلاوة قبلها بتوقيف خاص لتكون هذه الآية إكمالا لما اشتملت عليه الآيتان الأخريان ، وهذا له نظائر في كثير من الآيات باعتبار النزول والتلاوة . والأظهر عندي أن هذه الآية نزلت بعد الآية التي قبلها وأنها تكملة وتأكيد لآية ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ ( البقرة : 194 ) .
والسؤال المذكور هنا هو سؤال المشركين النبي عليه الصلاة والسلام يوم الحديبية ، هل يقاتل في الشهر الحرام كما تقدم عند قوله تعالى : ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ . وهذا هو المناسب لقوله هنا ﴿ وصد عن سبيل الله ﴾ إلخ وقيل : سؤال المشركين عن قتال سرية عبد الله بن جحش . فالجملة استئناف ابتدائي ، وردت على سؤال الناس عن القتال في الشهر الحرام ومناسبة موقعها عقب آية ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ ( البقرة : 216 ) ظاهرة .
والتعريف في ( الشهر الحرام ) تعريف الجنس ، ولذلك أحسن إبدال النكرة منه في قوله :