وأن يطمئنه لأن النبي كان حريصا على حصوله ويلزم ذلك الوعد بحصوله فتحصل كنايتان مترتبان .
وجيء بالمضارع مع ( قد ) للدلالة على التجدد والمقصود تجدد لازمه ليكون تأكيدا لذلك اللازم وهو الوعد ، فمن أجل ذلك غلب على قد الداخلة على المضارع أن تكون للتكثير مثل ربما يفعل . قال عبيد بن الأبرص :
قد أترك القرن مصفرا أنامله
كأن أثوابه مبحت بفرصاد
وستجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى : ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ﴾ ( الأنعام : 33 ) في سورة الأنعام .
والتقلب مطاوع قلبه إذا حوله وهو مثل قلبه بالتخفيف ، فالمراد بتقليب الوجه الالتفات به أي تحويله عن جهته الأصلية فهو هنا ترديده في السماء ، وقد أخذوا من العدول إلى صيغة التفعيل الدلالة على معنى التكثير في هذا التحويل ، وفيه نظر إذ قد يكون ذلك لما في هذا التحويل من الترقب والشدة فالتفعيل لقوة الكيفية ، قالوا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقع في روعه إلهاما أن الله سيحوله إلى مكة فكان يردد وجهه في السماء فقيل ينتظر نزول جبريل بذلك ، وعندي أنه إذا كان كذلك لزم أن يكون تقليب وجهه عند تهيؤ نزول الآية وإلا لما كان يترقب جبريل فدل ذلك على أنه لم يتكرر منه هذا التقليب .
والفاء في ﴿ فلنولينك ﴾ فاء التعقيب لتأكيد الوعد بالصراحة بعد التمهيد لها بالكناية في قوله : ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ ، والتولية تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ ( البقرة : 142 ) ، فمعنى ﴿ فلنولينك قبلة ﴾ لنوجهنك إلى قبلة ترضاها . فانتصب ﴿ قبلة ﴾ على التوسع بمنزلة المفعول الثاني وأصله لنولينك من قبلة وكذلك قوله : ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ . والمعنى أن تولية وجهه للكعبة سيحصل عقب هذا الوعد . وهذا وعد اشتمل على أداتي تأكيد وأداة تعقيب وذلك غاية اللطف والإحسان .
وعبر بترضاها للدلالة على أن ميله إلى الكعبة ميل لقصد الخير بناء على أن الكعبة أجدر بيوت الله بأن يدل على التوحيد كما تقدم فهو أجدر بالاستقبال من بيت المقدس ،