يحسن من الكلام ، فدفع ذلك بقوله : ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ فإذا نفي هذا التوهم علم السامع أنه قد ثبتت للمتأخر فضيلة الإقامة بتلك المنازل المباركة والمشاركة فيها بذكر الله تعالى ، ولذلك عقبه بقوله : ﴿ لمن اتقى ﴾ أي لمن اتقى الله في تأخره فلم يرفث ولم يفسق في أيام منى ، وإلا فالتأخر فيها لمن لم يتق إثم فهو متعلق بما تدل عليه ( لا ) من معنى النفي ، أو هو خبر مبتدأ ، أي ذلك وبدون هذا لا يظهر وجه لزيادة قوله ﴿ لمن اتقى ﴾ وإن تكلفوا في تفسيره بما لا تميل النفس إلى تقريره .
وقوله : ﴿ واتقوا الله ﴾ وصاية بالتقوى وقعت في آخر بيان مهام أحكام الحج ، فهي معطوفة على ﴿ واذكروا الله ﴾ أو معترضة بين ﴿ ومن تأخر ﴾ وبين ﴿ من الناس من يعجبك ﴾ ( البقرة : 204 ) الخ .
وقد استحضر حال المخاطبين بأحكام الحج في حال حجهم ؛ لأن فاتحة هاته الآيات كانت بقوله : ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ﴾ ( البقرة : 197 ) الخ ولما ختمت بقوله : ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ وهي آخر أيام الحج وأشير في ذلك إلى التفرق والرجوع إلى الأوطان بقوله ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾ الخ ، عقب ذلك بقوله تعالى : ﴿ واتقوا الله ﴾ وصية جامعة للراجعين من الحج أن يراقبوا تقوى الله في سائر أحوالهم وأماكنهم ولا يجعلوا تقواه خاصة بمدة الحج كما كانت تفعله الجاهلية فإذا انقضى الحج رجعوا يتقاتلون ويغيرون ويفسدون ، وكما يفعله كثير من عصاة المسلمين عند انقضاء رمضان .
وقوله : ﴿ واعلموا أنكم إليه تحشرون ﴾ تحريض على التقوى وتحذير من خلافها ؛ لأن من علم ذلك سعى لما يجلب رضا المرجوع إليه وتجنب سخطه . فالأمر في ﴿ اعلموا ﴾ للتذكير ، لأن ذلك معلوم عندهم وقد تقدم آنفا عند قوله : ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ ( البقرة : 196 ) .
والحشر : الجمع بعد التفرق فلذلك ناسب قوله : ﴿ تحشرون ﴾ حالتي تفرق الحجيج بعد انقضاء الحج واجتماع أفراد كل فريق منهم إلى بلده بعد ذلك .
واختير لفظ ( تحشرون ) هنا دون تصيرون أو ترجعون ، لأن تحشرون أجمع لأنه يدل على المصير وعلى الرجوع مع الدلالة على أنهم يصيرون مجتمعين كلهم كما كانوا مجتمعين حين استحضار حالهم في هذا الخطاب وهو اجتماع الحج ، ولأن الناس بعد الحج يحشرون إلى مواطنهم فذكرهم بالحشر العظيم ، فلفظ تحشرون أنسب بالمقام من وجوه كثير ، والعرب