تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكرا كذكركم آباءكم ، وعلى هذا الوجه فنصب ﴿ ذكرا ﴾ يظهر أنه تمييز لأشد ، وإذ قد كان ( أشد ) وصفا لذكر المقدر صار مآل التمييز إلى أنه تمييز الشيء بمرادفه وذلك ينافي القصد من التمييز الذي هو لإزالة الإبهام ، إلا أن مثل ذلك يقع في الكلام الفصيح وإن كان قليلا قلة لا تنافي الفصاحة اكتفاء باختلاف صورة اللفظين المترادفين ، مع إفادة التمييز حينئذ توكيد المميز كما حكى سيبويه أنهم يقولون : هو أشح الناس رجلا ، وهما خير الناس اثنين ، وهذا ما درج عليه الزجاج في ( تفسيره ) ، قلت : وقريب منه استعمال تمييز ( نعم ) توكيدا في قوله جرير :

تزود مثل زاد أبيك فينا

فنعم الزاد زاد أبيك زادا

ويجوز أن يكون نصب ﴿ أشد ﴾ على الحال من ( ذكر ) الموالي له وأن أصل أشد نعت له وكان نظم الكلام : أو ذكرا أشد ، فقدم النعت فصار حالا ، والداعي إلى تقديم النعت حينئذ هو الاهتمام بوصف كونه أشد ، وليتأتى إشباع حرف الفاصلة عند الوقف عليه ، وليباعد ما بين كلمات الذكر المتكررة ثلاث مرات بقدر الإمكان . أو أن يكون ( أشد ) معطوفا على ( ذكر ) المجرور بالكاف من قوله : ﴿ كذكركم ﴾ ولا يمنع من ذلك ما قيل من امتناع العطف على المجرور بدون إعادة الجار لأن ذلك غير متفق عليه بين أئمة النحو ، فالكوفيون لا يمنعونه ووافقهم بعض المتأخرين مثل ابن مالك وعليه قراءة حمزة ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ ( النساء : 1 ) بجر الأرحام وقد أجاز الزمخشري هنا وفي قوله تعالى : ﴿ كخشية الله أو أشد خشية في ( سورة النساء : 77 ) أن يكون العطف على المجرور بالحرف بدون إعادة الجار ، وبعض النحويين جوزه فيما إذا كان الجر بالإضافة لا بالحرف كما قاله ابن الحاجب في إيضاح المفصل ﴾ ، وعليه ففتحة ﴿ أشد ﴾ نائبة عن الكسرة ، لأن أشد ممنوع من الصرف وعلى هذا الوجه فانتصاب ﴿ ذكرا ﴾ على التمييز على نحو ما تقدم في الوجه الأول عن سيبويه والزجاج .

ولصاحب ( الكشاف ) تخريجان آخران لإعراب ﴿ أو أشد ذكرا ﴾ فيهما تعسف دعاه إليهما الفرار من ترادف التمييز والمميز ، ولابن جني تبعا لشيخه أبي علي تخريج آخر ، دعاه إليه مثل الذي دعا الزمخشري وكان تخريجه أشد تعسفا ذكره عنه ابن المنير في ( الانتصاف ) ، وسلكه الزمخشري في تفسير آية سورة النساء .

وهذه الآية من غرائب الاستعمال العربي ، ونظيرتها آية سورة النساء ، قال الشيخ ابن عرفة

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٢٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٢٤٦