فقوله : ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ أي من المكان الذي يفيض منه سائر الناس وهو مزدلفة . وعبر عنه بذلك لأن العرب كلهم يجتمعون في مزدلفة ، ولولا ما جاء من الحديث لكان هذا التفسير أظهر لتكون الآية ذكرت الإفاضتين بالصراحة وليناسب قوله بعد : ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ ( البقرة : 200 ) .
وقوله : ﴿ من ربكم ﴾ عطف على ﴿ أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ أمرهم بالاستغفار كما أمرهم بذكر الله عند المشعر الحرام . وفيه تعريض بقريش فيما كانوا عليه من ترك الوقوف بعرفة .
| 2 ( 200 ، 202 ) ﴿ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا وما له فى الاخرة من خلاق * ومنهم من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار * أولائك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ﴾ . ) 2
تفريع على قوله : ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ ( البقرة : 199 ) لأن تلك الإفاضة هي الدفع من مزدلفة إلى منى أو لأنها تستلزم ذلك ومنى هي محل رمي الجمار ، وأشارت الآية إلى رمي جمرة العقبة يوم عاشر ذي الحجة فأمرت بأن يذكروا الله عند الرمي ثم الهدي بعد ذلك وقد تم الحج عند ذلك ، وقضيت مناسكه .
وقد أجمعوا على أن الحاج لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس إلى الزوال ثم ينحر بعد ذلك ، ثم يأتي الكعبة فيطوف طواف الإفاضة وقد تم الحج وحل للحاج كل شيء إلا قربان النساء .
والمناسك جمع منسك مشتق من نسك نسكا من باب نصر إذا تعبد وقد تقدم في قوله تعالى : ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ ( البقرة : 128 ) فهو هنا مصدر ميمي أو هو اسم مكان والأول هو المناسب لقوله : ﴿ قضيتم ﴾ ؛ لئلا نحتاج إلى تقدير مضاف أي عبادات مناسككم .
وقرأ الجميع ﴿ مناسككم ﴾ بفك الكافين وقرأه السوسي عن أبي عمرو بإدغامهما وهو الإدغام الكبير .