تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالتزود مستعار للاستكثار من فعل الخير استعدادا ليوم الجزاء شبه بإعداد المسافر الزاد لسفره بناء على إطلاق اسم السفر والرحيل على الموت . قال الأعشى في قصيدته التي أنشأها لمدح النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيها بعض ما يدعو النبي إليه أخذا من هذه الآية وغيرها :

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى

ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

ندمت أن لا تكون كمثله

وأنك لم ترصد بما كان أرصدا

فقوله : ﴿ فإن خير الزاد التقوى ﴾ بمنزلة التذييل أي التقوى أفضل من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص .

ويجوز أن يستعمل التزود مع ذلك في معناه الحقيقي على وجه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فيكون أمرا بإعداد الزاد لسفر الحج تعريضا بقوم من أهل اليمن كانوا يجيئون إلى الحج دون أي زاد ويقولون نحن متوكلون على الله ( ) فيكونون كلا على الناس بالإلحاف .

فقوله : ﴿ فإن خير الزاد ﴾ الخ إشارة إلى تأكيد الأمر بالتزود تنبيها بالتفريع على أنه من التقوى لأن فيه صيانة ماء الوجه والعرض .

وقوله : ﴿ واتقون ﴾ بمنزلة التأكيد لقوله ﴿ فإن خير الزاد التقوى ﴾ ولم يزد إلا قوله ﴿ يا أولى الألباب ﴾ المشير إلى أن التوقى مما يرغب فيه أهل العقول .

والألباب : جمع لب وهو العقل ، واللب من كل شيء : الخالص منه ، وفعله لبب يلب بضم اللام قالوا وليس في كلام العرب فعل يفعل بضم العين في الماضي والمضارع من المضاعف إلا عذا الفعل حكاه سيبويه عن يونس وقال ثعلب ما أعرف له نظيرا .

فقوله ﴿ فإن خير الزاد التقوى ﴾ بمنزلة التذييل أي التقوء أفضل من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص ، وموقع قوله : ﴿ واتقون يا أولي الألباب ﴾ على احتمال أن يراد بالتزود معناه الحقيقي مع المجازي إفادة الأمر بالتقوى التي هي زاد الآخرة بمناسبة الأمر بالتزود لحصول التقوى الدنيوية بصون العرض .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٢٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٢٣٦