ولاحتمال الآية عدة محامل في وجه ذكر أشهر الحج لا أرى للأئمة حجة فيها لتوقيت الحج .
وقوله تعالى : ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ تفريع على هاته المقدمة لبيان أن الحج يقع فيها وبيان أهم أحكامه .
ومعنى فرض : نوى وعزم ، فنية الحج هي العزم عليه وهو الإحرام ، ويشترط في النية عند مالك وأبي حنيفة مقارنتها لقول من أقوال الحج وهو التلبية ، أو عمل من أعماله كسوق الهدي ، وعند الشافعي يدخل الحج بنية ولو لم يصاحب قولا أو عملا وهو أرجح ؛ لأن النية في العبادات لم يشترط فيها مقارنتها لجزء من أعمال العبادة ، ولا خلاف أن السنة مقارنة الإهلال للاغتسال والتلبية واستواء الراحلة براكبها .
وضمير ﴿ فيهن ﴾ للأشهر ، لأنه جمع لغير عاقل فيجري على التأنيث .
وقوله : ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴾ جواب من الشرطية ، والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى ﴿ لا رفث ﴾ من ضمير يعود على ( من ) ؛ لأن التقدير فلا يرفث .
وقد نفى الرفث والفسوق والجدال نفي الجنس مبالغة في النهي عنها وإبعادها عن الحاج ، حتى جعلت كأنها قد نهي الحاج عنها فانتهى فانتفت أجناسها ، ونظير هذا كثير في القرآن كقوله تعالى : ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ( البقرة : 228 ) وهو من قبيل التمثيل بأن شبهت حالة المأمور وقت الأمر بالحالة الحاصلة بعد امتثاله فكأنه امتثل وفعل المأمور به فصار بحيث يخبر عنه بأنه فعل كما قرره في ( الكشاف ) في قوله : ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ، فأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة .
وقرأ الجمهور بفتح أواخر الكلمات الثلاث المنفية بلا ، على اعتبار ( لا ) نافية للجنس نصا ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع ( رفث ) و ( فسوق ) على أن ( لا ) أخت ليس نافية للجنس غير نص وقرآ ( ولا جدال ) بفتح اللام على اعتبار ( لا ) نافية للجنس نصا وعلى أنه عطف جملة على جملة فروي عن أبي عمرو أنه قال : الرفع بمعنى لا يكون رفث ولا فسوق يعني أن خبر ( لا ) محذوف وأن المصدرين نائبان عن فعليهما وأنهما رفعا لقصد الدلالة على الثبات مثل رفع ﴿ الحمد لله ﴾ ( الفاتحة : 2 ) وانتهى الكلام ثم ابتدأ النفي فقال : ﴿ ولا جدال في الحجعلى أن في الحج ﴾ خبر ( لا ) ، والكلام على القراءتين خبر مستعمل في النهي .