فالمأمور به صوم معروف زيدت في كيفيته المعتبرة شرعا قيود تحديد أحواله وأوقاته بقوله تعالى : ﴿ فالئن باشروهن إلى قوله حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ ( البقرة : 187 ) وقوله ﴿ شهر رمضان ﴾ ( البقرة : 185 ) الآية ، ﴿ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ ( البقرة : 185 ) وبهذا يتبين أن في قوله : ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ إجمالا وقع تفصيله في الآيات بعده .
فحصل في صيام الإسلام ما يخالف صيام اليهود والنصارى في قيود ماهية الصيام وكيفيتها ، ولم يكن صيامنا مماثلا لصيامهم تمام المماثلة . فقوله : ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات ، والتشبيه يكتفى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد ، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالة في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة ، ولكن فيهم أغراضا ثلاثة تضمنها التشبيه :
أحدها الاهتمام بهذه العبادة ، والتنويه بها لأنها شرعها الله قبل الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين ، وشرعها للمسلمين ، وذلك يقتضي اطراد صلاحها ووفرة ثوابها . وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم . إن المسلمين كانوا يتنافسون في العبادات كما ورد في الحديث ( أن ناسا من أصحاب رسول الله قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ) الحديث ويحبون التفضيل على أهل الكتاب وقطع تفاخر أهل الكتاب عليهم بأنهم أهل شريعة قال تعالى : ﴿ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاء بينة من ربكم وهدى ورحمة ﴾ ( الأنعام : 156 ، 157 ) . فلا شك أنهم يغتبطون أمر الصوم وقد كان صومهم الذي صاموه وهو يوم عاشوراء إنما اقتدوا فيه باليهود ، فهم في ترقب إلى تخصيصهم من الله بصوم أنفف ، فهذه فائدة التشبيه لأهل الهمم من المسلمين إذا ألحقهم الله بصالح الأمم في الشرائع العائدة بخير الدنيا والآخرة قال تعالى : ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ ( المطففين : 26 ) .
والغرض الثاني أن في التشبيه بالسابقين تهوينا على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا