﴿ واستعينوا بالصبر والصلواة ﴾ ( البقرة : 45 ) ثم ذكر مواقعه التي لا يعدوها وهي حالة الشدة ، وحالة الضر ، وحالة القتال ، فالبأساء والضراء اسمان على وزن فعلاء وليسا وصفين إذ لم يسمع لهما أفعل مذكرا ، والبأساء مشتقة من البؤس وهو سوء الحالة من فقر ونحوه من المكروه ، قال الراغب : وقد غلب في الفقر ومنه البئيس الفقير ، فالبأساء الشدة في المال ، والضراء شدة الحال على الإنسان مشتقة من الضر ويقابلها السراء وهي ما يسر الإنسان من أحواله ، والبأس النكاية والشدة في الحرب ونحوها كالخصومة ﴿ قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ﴾ ( النمل : 33 ) ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ ( الحشر : 14 ) والشر أيضا بأس والمراد به هنا الحرب .
فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام الحكيم . وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشىء عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال .
فالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية ، لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها ، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها ، والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة ويبذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحرارا . والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس ، وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض .
والصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة ولذلك قال تعالى هنا : ﴿ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ﴾ فحصر فيهم الصدق والتقوى حصرا ادعائيا للمبالغة ، ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر ، وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم ، لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيئين ، ولأنهم حرموا كثيرا من الناس حقوقهم ، ولم يفوا بالعهد ، ولم يصبروا . وفيها أيضا تعريض بالمشركين إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر ، والنبيئين ، والكتب وسلبوا اليتامى أموالهم ، ولم يقيموا الصلاة ، ولم يؤتوا الزكاة .
ونصب ( الصابرين ) وهو معطوف على مرفوعات نصب على الاختصاص على ما هو المتعارف في كلام العرب في عطف النعوت من تخيير المتكلم بين الاتباع في الإعراب للمعطوف عليه وبين القطع قاله الرضي ، والقطع يكون بنصب ما حقه أن يكون مرفوعا أو مجرورا وبرفع ما هو بعكسه ليظهر قصد المتكلم القطع حين يختلف الإعراب ؛ إذ لا يعرف أن المتكلم قصد