سنابل } ( البقرة : 261 ) وإنما الذي يقابل ﴿ الذين ينفقون ﴾ في جانب المشبه به هو زارع الحبة وهو غير مذكور في اللفظ أصلا وقال تعالى : ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ﴾ ( البقرة : 264 ) الآية ، والذي يقابل الصفوان في جانب المشبه هو المال المنفق لا الذي ينفق ، وفي الحديث الصحيح ( مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء ) الخ ، والذي يقابل الرجل الذي استأجر في جانب المشبه هو الله تعالى في ثوابه للمسلمين وغيرهم ممن آمن قبلنا ، وهو غير مذكور في جانب المشبه أصلا ، وهو استعمال كثير جدا ، وعليه فالتقديرات الواقعة للمفسرين هنا تقادير لبيان المعنى ، والآية تحتمل أن يكون المراد تشبيه حال المشركين في إعراضهم عن الإسلام بحال الذي ينعق بالغنم ، أو تشبيه حال المشركين في إقبالهم على الأصنام بحال الداعي للغنم ، وأيا ما كان فالغنم تسمع صوت الدعاء والنداء ولا تفهم ما يتكلم به الناعق ، والمشركون لم يهتدوا بالأدلة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم فيكون قوله : ﴿ إلا دعاء ونداء ﴾ من تكملة أوصاف بعض أجزاء المركب التمثيلي في جانب المشبه به ، وذلك صالح لأن يكون مجرد إتمام للتشبيه إن كان المراد تشبيه المشركين بقلة الإدراك ، ولأن يكون احتراسا في التشبيه إن كان المراد تشبيه الأصنام حين يدعوها المشركون بالغنم حين ينعق بها رعاتها فهي لا تسمع إلا دعاء ونداء ، ومعلوم أن الأصنام لا تسمع لا دعاء ولا نداء فيكون حينئذ مثل قوله تعالى : ﴿ فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ ( البقرة : 74 ) ثم قال : ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ ( البقرة : 74 ) .
وقد جوز المفسرون أن يكون التمثيل على إحدى الطريقتين ، وعندي أن الجمع بينهما ممكن ولعله من مراد الله تعالى ؛ فقد قدمنا أن التشبيه التمثيلي يحتمل كل ما حملته من الهيئة كلها ، وهيئة المشركين في تلقي الدعوة مشتملة على إعراض عنها وإقبال على دينهم كما هو مدلول قوله تعالى : ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ﴾ ( البقرة : 170 ) الآية ، فهذه الحالة كلها تشبه حال الناعق بما لا يسمع ، فالنبي يدعوهم كناعقق بغنم لا تفقه دليلا ، وهم يدعون أصنامهم كناعق بغنم لا تفقه شيئا . ومن بلاغة القرآن صلوحية آياته لمعان كثيرة يفرضها السامع .
والنعق نداء الغنم وفعله كضرب ومنع ولم يقرأ إلا بكسر العين فلعل وزن ضرب فيه أفصح وإن كان وزن منع أقيس ، وقد أخذ الأخطل معنى هذه الآية في قوله يصف جريرا