تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصما وعميانا } حالان من ضمير ﴿ يخروا ﴾ ، مراد بهما التشبيه بحذف حرف التشبيه ، أي يخرون كالصم والعميان في عدم الانتفاع بالمسموع من الآيات والمبصر منها مما يذكرون به . فالنفي على هذا منصب إلى الفعل وإلى قيده ، وهو استعمال كثير في الكلام . وهذا الوجه أوجه .

ويجوز أن يكون توجه النفي إلى القيد كما هو استعمال غالب وهو مختار صاحب ( الكشاف ) ، فالمعنى : لم يخروا عليها في حالة كالصمم والعمى ولكنهم يخرون عليها سامعين مبصرين فيكون الخرور مستعارا للحرص على العمل بشراشر القلب ، كما يقال : أكب على كذا ، أي صرف جهده فيه ، فيكون التعريض بالمشركين في أنهم يصمون ويعمون عن الآيات ومع ذلك يخرون على تلقيها تظاهرا منهم بالحرص على ذلك . وهذا الوجه ضعيف لأنه إنما يليق لو كان المعرض بهم منافقين ، وكيف والسورة مكية فأما المشركون فكانوا يعرضون عن تلقي الدعوة علنا ، قال تعالى : ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ ( فصلت : 26 ) . وقال : ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ ( فصلت : 5 ) .

| 2 ( 74 ) ﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ﴾ . ) 2

هذه صفة ثالثة للمؤمنين بأنهم يعنون بانتشار الإسلام وتكثير أتباعه فيدعون الله أن يرزقهم أزواجا وذريات تقر بهم أعينهم ، فالأزواج يطعنهم باتباع الإسلام وشرائعه ؛ فقد كان بعض أزواج المسلمين مخالفات أزواجهم في الدين ، والذريات إذا نشأوا نشأوا مؤمنين ، وقد جمع ذلك لهم في صفة ﴿ قرة أعين ﴾ . فإنها جامعة للكمال في الدين واستقامة الأحوال في الحياة إذ لا تقر عيون المؤمنين إلا بأزواج وأبناء مؤمنين . وقد نهى الله المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في العصمة بقوله : ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ ( الممتحنة : 10 ) ، وقال : ﴿ والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج ﴾ ( الأحقاف : 17 ) الآية . فمن أجل ذلك جعل دعاؤهم هذا من أسباب جزائهم بالجنة وإن كان فيه حظ لنفوسهم بقرة أعينهم إذ لا يناكد حظ النفس حظ الدين في أعمالهم ، كما في قول عبد الله ابن رواحة وهو خارج إلى غزوة مؤتة ، فدعا له المسلمون ولمن معه أن يردهم الله سالمين فقال :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ٨١