أبدع التخلص إذ كان مفاجئا للسامع مطمعا أنه استطراد عارض كسوابقه حتى يفاجئه ما يؤذن بالختام وهو ﴿ قل ما يعؤا بكم ربي ﴾ ( الفرقان : 77 ) الآية .
والمراد ب ﴿ عباد الرحمن ﴾ بادىء ذي بدء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فالصلات الثمان التي وصفوا بها في هذه الآية حكاية لأوصافهم التي اختصوا بها .
وإذ قد أجريت عليهم تلك الصفات في مقام الثناء والوعد بجزاء الجنة علم أن من اتصف بتلك الصفات موعود بمثل ذلك الجزاء وقد شرفهم الله بأن جعل عنوانهم عباده ، واختار لهم من الإضافة إلى اسمه اسم الرحمن لوقوع ذكرهم بعد ذكر الفريق الذين قيل لهم : ﴿ اسجدوا للرحمان . قالوا : وما الرحمن ﴾ ( الفرقان : 60 ) . فإذا جعل المراد من ﴿ عباد الرحمن ﴾ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان الخبر في قوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هونا ﴾ إلى آخر المعطوفات وكان قوله الآتي ﴿ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ﴾ ( الفرقان : 75 ) استئنافا لبيان كونهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة .
وإذا كان المراد من ﴿ عباد الرحمن ﴾ جميع المؤمنين المتصفين بمضمون تلك الصلات كانت تلك الموصولات وصلاتها نعوتا ل ﴿ عباد الرحمن ﴾ وكان الخبر اسم الإشارة في قوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ ( الفرقان : 75 ) إلخ .
وفي الإطناب بصفاتهم الطيبة تعريض بأن الذين أبوا السجود للرحمان وزادهم نفورا هم على الضد من تلك المحامد ، تعريضا تشعر به إضافة ﴿ عباد ﴾ إلى ﴿ الرحمن ﴾ .
واعلم أن هذه الصلات التي أجريت على ﴿ عباد الرحمن ﴾ جاءت على أربعة أقسام :
قسم هو من التحلي بالكمالات الدينية وهي التي ابتدىء بها من قوله تعالى ﴿ الذين يمشون على الأرض هونا ﴾ إلى قوله ﴿ سلاما ﴾ ( الفرقان : 75 ) .
وقسم هو من التخلي عن ضلالات أهل الشرك وهو الذي من قوله : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ﴾ ( الفرقان : 68 ) .
وقسم هو من الاستقامة على شرائع الإسلام وهو قوله : { والذين يبيتون لربهم