وفرع على وصفه ب ﴿ الرحمن ﴾ قوله ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ للدلالة على أن في رحمته من العظمة والشمول ما لا تفي فيه العبارة فيعدل عن زيادة التوصيف إلى الحوالة على عليم بتصاريف رحمته مجرب لها متلق أحاديثها ممن علمها وجربها .
وتنكير ﴿ خبيرا ﴾ للدلالة على العموم ، فلا يظن خبيرا معينا ، لأن النكرة إذا تعلق بها فعل الأمر اقتضت عموما بدليل أي خبير سألته أعلمك .
وهذا يجري مجرى المثل ولعله من مبتكرات القرآن نظير قول العرب : ( على الخبير سقطت ) يقولها العارف بالشيء إذا سئل عنه . والمثلان وإن تساويا في عدد الحروف المنطوق بها فالمثل القرآني أفصح لسلامته من ثقل تلاقي القاف والطاء والتاء في ( سقطت ) . وهو أيضا أشرف لسلامته من معنى السقوط ، وهو أبلغ معنى لما فيه من عموم كل خبير ، بخلاف قولهم : على الخبير سقطت ، لأنها إنما يقولها الواحد المعين . وقريب من معنى ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ قول النابغة :
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي
إذا الدخان تغشى الأشمط البرما
إلى قوله :
يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم
وليس جاهل شيء مثل من علما
والباء في ﴿ به ﴾ بمعنى ( عن ) أي فاسأل عنه كقول علقمة :
فإن تسألوني بالنساء فإنني
خبير بأدواء النساء طبيب
ويجوز أن تكون الباء متعلقة ب ﴿ خبيرا ﴾ وتقديم المجرور للرعي على الفاصلة وللاهتمام ، فله سببان .
| 2 ( 60 ) ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ﴾ . ) 2
لما جرى وصف الله تعالى بالرحمان مع صفات أخر استطرد ذكر كفر المشركين بهذا الوصف . وقد علمت عند الكلام على البسملة في أول هذا التفسير أن وصف الله تعالى باسم ( الرحمن ) هو من وضع القرآن ولم يكن معهودا للعرب ، وأما قول شاعر اليمامة في مدح مسيلمة :