تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن بعض . وفي هذا الستر منن كثيرة لقضاء الحوائج التي يجب إخفاؤها .

وتقديم الاعتبار بحالة ستر الليل على الاعتبار بحالة النوم لرعي مناسبة الليل بالظل كما تقدم ، بخلاف قوله : ﴿ وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا ﴾ في سورة النبأ ( 8 10 ) ، فإن نعمة النوم أهم من نعمة الستر ، ولأن المناسبة بين نعمة خلق الأزواج وبين النوم أشد .

وقد جمعت الآية استدلالا وامتنانا فهي دليل على عظم قدرة الخالق ، وهي أيضا تذكير بنعمة ، فإن في اختلاف الليل والنهار آيات جمة لما يدل عليه حصول الظلمة من دقة نظام دوران الأرض حول الشمس ومن دقة نظام خلق الشمس ، ولما يتوقف عليه وجود النهار من تغير دوران الأرض ومن فوائد نور الشمس ، ثم ما في خلال ذلك من نظام النوم المناسب للظلمة حين ترتخي أعصاب الناس فيحصل لهم بالنوم تجدد نشاطهم ، ومن الاستعانة على التستر بظلمة الليل ومن نظام النهار من تجدد النشاط وانبعاث الناس للعمل وسآمتهم من الدعة ، مع ما هو ملائم لذلك من النور الذي به إبصار ما يقصده العاملون .

والسبات له معان متعددة في اللغة ناشئة عن التوسع في مادة السبت وهو القطع . وأنسب المعاني بمقام الامتنان هو معنى الراحة وإن كان في كلا المعنيين اعتبار بدقيق صنع الله تعالى . وفسر الزمخشري السبات بالموت على طريقة التشبيه البليغ ناظرا في ذلك إلى مقابلته بقوله : ﴿ وجعل النهار نشورا ﴾ .

وإعادة فعل ﴿ جعل ﴾ في قوله : ﴿ وجعل النهار نشورا ﴾ دون أن يعاد في قوله ﴿ والنوم سباتا ﴾ مشعرة بأنه تنبيه إلى أنه جعل مخالف لجعل الليل لباسا . وذلك أنه أخبر عنه بقوله ﴿ نشورا ﴾ ، والنشور : بعث الأموات ، وهو إدماج للتذكير بالبعث وتعريض بالاستدلال على من أحالوه ، بتقريبه بالهبوب في النهار . وفي هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح ( الحمد لله الذي أحيانا بعد إذ أماتنا وإليه النشور ) .

والنشور : الحياة بعد الموت ، وتقدم قريبا عند قوله تعالى : ﴿ بل كانوا لا يرجون نشورا ﴾ ( الفرقان : 40 ) . وهو هنا يحتمل معنيين أن يكون مرادا به البروز والانتشار فيكون ضد

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ٤٥