مظللة إذ قال تعالى : ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ﴾ فإن حال الناس في الضلالة قبل نزول القرآن تشبه بحال امتداد ظلمة الظل ، وصار ما كان مظللا ضاحيا بالشمس وكان زوال ذلك الظل تدريجا حتى ينعدم الفيء .
فنظم الآية بما اشتمل عليه من التمثيل أفاد تمثيل هيئة تنزيل القرآن منجما بهيئة مد الظل مدرجا ولو شاء لجعله ساكنا .
وكان نظمها بحمله على حقيقة تركيبه مفيدا العبرة بمد الظل وقبضه في إثبات دقائق قدرة الله تعالى ، وهذان المفادان من قبيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه الذي ذكرناه في المقدمة التاسعة . وكان نظم الكلام بمعنى ما فيه من الاستعارة التصريحية من تشبيه الهداية بنور الشمس ، وتقلص ضلال الكفر بانقباض الظل بعد أن كان مديدا قبل طلوع الشمس . وبهذه النكتة عطف قوله ﴿ ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ﴾ إلى قوله ﴿ وجعل النهار نشورا ﴾ ( الفرقان : 47 ) .
والاستفهام تقريري فهو صالح لطبقات السامعين : من غافل يسأل عن غفلته ليقر بها تحريضا على النظر ، ومن جاحد ينكر عليه إهماله النظر ، ومن موفق يحث على زيادة النظر .
والرؤية بصرية ، وقد ضمن الفعل معنى النظر فعدي إلى المرئي بحرف ( إلى ) . والمد : بسط الشيء المنقبض المتداخل يقال : مد الحبل ومد يده ، ويطلق المد على الزيادة في الشيء وهو استعارة شائعة ، وهو هنا الزيادة في مقدار الظل .
ثم إذا كان المقصود بفعل الرؤية حالة من أحوال الذات تصح رؤيتها فلك تعدية الفعل إلى الحالة كقوله تعالى : ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ ( الفيل : 1 ) ﴿ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ﴾ ( نوح : 15 ) ، وصح تعديته إلى اسم الذات مقيدة بالحالة المقصودة بحال أو ظرف أو صلة نحو ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ ( الغاشية : 17 ) ﴿ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ﴾ ( البقرة : 258 ) ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيء لهم ابعث لنا ملكا ﴾ ( البقرة : 246 ) .
والفرق بين التعديتين أن الأولى يقصد منها العناية بالحالة لا بصاحبها ، فالمقصود من آية سورة الفيل : الامتنان على أهل مكة بما حل بالذين انتهكوا حرمتها من