| 2 ( 44 ) ﴿ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا ﴾ . ) 2
انتقال عن التأييس من اهتدائهم لغلبة الهوى على عقولهم إلى التحذير من أن يظن بهم إدراك الدلائل والحجج ، وهذا توجيه ثان للإعراض عن مجادلتهم التي أنبأ عنها قوله تعالى : ﴿ وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ﴾ ( الفرقان : 42 ) ، ف ﴿ أم ﴾ منقطعة للإضراب الانتقالي من إنكار إلى إنكار وهي مؤذنة باستفهام عطفته على الاستفهام الذي قبلها . والتقدير : أم أتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون .
والمراد من نفي ﴿ أن أكثرهم يسمعون ﴾ نفي أثر السماع وهو فهم الحق لأن ما يلقيه إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرتاب فيه إلا من هو كالذي لم يسمعه . وهذا كقوله تعالى ﴿ ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ﴾ ( النمل : 80 ) .
وعطف ﴿ أو يعقلون ﴾ على ﴿ يسمعون ﴾ لنفي أن يكونوا يعقلون الدلائل غير المقالية وهي دلائل الكائنات قال تعالى : ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾ ( يونس : 101 ) .
وإنما نفي فهم الأدلة السمعية والعقلية عن أكثرهم دون جميعهم ، لأن هذا حال دهمائهم ومقلديهم ، وفيهم معشر عقلاء يفهمون ويستدلون بالكائنات ولكنهم غلب عليهم حب الرئاسة وأنفوا من أن يعودوا أتباعا للنبيء صلى الله عليه وسلم ومساوين للمؤمنين من ضعفاء قريش وعبيدهم مثل عمار ، وبلال .
وجملة ﴿ إن هم إلا كالأنعام ﴾ مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما تقدم من إنكار أنهم يسمعون يثير في نفس السامعين سؤالا عن نفي فهمهم لما يسمعون مع سلامة حواس السمع منهم ، فكان تشبيههم بالأنعام تبيينا للجمع بين حصول اختراق أصوات الدعوة آذانهم مع عدم انتفاعهم بها لعدم تهيئهم للاهتمام بها ، فالغرض من التشبيه التقريب والإمكان كقول أبي الطيب :
فإن تفق الأنام وأنت منهم
فإن المسك بعض دم الغزال
وضمائر الجمع عائدة إلى أكثرهم باعتبار معنى لفظه كما عاد عليه ضمير ﴿ يسمعون ﴾ .