في مغيبه ، فعطف عليها في هذه الآية أذى خاص وهو الأذى حين يرونه . وهذا صنف من الأذى تبعثهم إليه مشاهدة الرسول في غير زي الكبراء والمترفين لا يجر المطارف ولا يركب النجائب ولا يمشي مرحا ولا ينظر خيلاء ويجالس الصالحين ويعرض عن المشركين ، ويرفق بالضعفاء ويواصل الفقراء ، وأولئك يستخفون بالخلق الحسن ، لما غلب على آرائهم من أفن ، لذلك لم يخل حاله عندهم من الاستهزاء به إذا رأوه بأن حاله ليست حال من يختاره الله لرسالته دونهم ، ولا هو أهل لقيادتهم وسياستهم . وهذا الكلام صدر من أبي جهل وأهل ناديه .
و ﴿ إذا ﴾ ظرف زمان مضمن معنى الشرط فلذلك يجعل متعلقه جوابا له . فجملة ﴿ إن يتخذونك إلا هزؤا ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ . والهزؤ بضمتين : مصدر هزأ به . وتقدم في قوله : ( تعالى ) ﴿ قالوا أتتخذنا هزوءا ﴾ في سورة البقرة ( 67 ) . والوصف للمبالغة في استهزائهم به حتى كأنه نفس الهزؤ لأنهم محضوه لذلك ، وإسناد ﴿ يتخذونك ﴾ إلى ضمير الجمع للدلالة على أن جماعاتهم يستهزئون به إذا رأوه وهم في مجالسهم ومنتدياتهم . وصيغة الحصر للتشنيع عليهم بأنهم انحصر اتخاذهم إياه في الاستهزاء به يلازمونه ويدأبون عليه ولا يخلطون معه شيئا من تذكر أقواله ودعوته ، فالاستثناء من عموم الأحوال المنفية ، أي لا يتخذونك في حالة إلا في حالة الاستهزاء .
وجملة ﴿ أهذا الذي بعث الله رسولا ﴾ بيان لجملة ﴿ إن يتخذونك إلا هزؤا ﴾ لأن الاستهزاء من قبيل القول فكان بيانه بما هو من أقوالهم ومجاذبتهم الأحاديث بينهم .
والاستفهام إنكار لأن يكون بعثه الله رسولا .
واسم الإشارة مستعمل في الاستصغار كما علمت في أول تفسير هذه الآية .
والمعنى : إنكار أن يكون المشار إليه رسولا لأن في الإشارة إليه ما يكفي للقطع بانتفاء أنه رسول الله في زعمهم ، وقد تقدم قريب من هذه الجملة في قوله تعالى : { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزؤا أهذا الذي يذكر آلهتكم في سورة الأنبياء ( 36 ) ، سوى أن الاستفهام هنالك تعجبي فانظره .